|
قلتم لي إن
الأوان آن لتخط خطاً تحت ذلك الكلام كله فننظر معك
ما يكون حاصل الجمع. سمعا
وطاعة!، ولو انني غير متفرغ لهذا في هذه الأيام
ولا مستعجل. هو الجمع إذن ما تطلبون
وأما الطرح فأفترض أنكم أجريتموه من جهتكم،
والظاهر أن شيئا بقي بعده في أيديكم
وإلا فما الداعي لهذه الدعوة؟ لا قبل لي بالطرح،
من جهتي، فإنني حامل غثي وسميني من
أول العمر إلى آخره ولا فكاك لي من أيهما. تطرحون
من القيمة وقد أطرح منها معكم وقد
أطرح أكثر مما تطرحون أو خلافه ولكن أعجز عن الطرح
من المسؤولية.
لا أعلم متى
استولت علي الكتابة: أفي العاشرة كان ذلك أم في
الأربعين؟ لم يثبت مطلوبي من
الكتابة على حال، في نصف القرن الذي مضى، بل كان
يتغير من طور إلى طور ولم يكن له
مكون واحد. أيام كنت فتى يافعا، كان الجرس أول ما
غرني، وكنت أريده عاليا، متلاطم
الأمواج، على تنوّع فيها ولكن على انتظام. لعله
القرآن أغرى سطوري بالطرب ولعله
بدوي الجبل أو المتنبي، ولعلهما قس بن ساعدة وعلي
بن أبي طالب، ولعلهم شعراء المآتم
في بنت جبيل، ولعلها الشحرورة صباح. ولم أكن رأيت
البحر عن كثب في تلك الأيام. ولكن
كنت أريد الماء نقيا جدا وكانت الفصحى على هذا
الموعد. غير أنني تعلقت بالزجل أيضا
وادعيت لنفسي القدرة على ارتجاله، زورا. ثم أصبح
خلط الفصيح بالعامي في المنظومات
سبيلا مرموقا بين سبلي إلى الهزل والضحك.
في تلك الأيام، كنت ظاهرة صوتية من
رأسي إلى أخمص قدمي. كانت الضجة المحتواة أو
المبوبة في الكلام المكتوب دواء لحسرة
فتى مقصر جدا في فن الغناء. فإن صوتي لم يكن جميلا
ولا قويا ولا كنت أحسن تجويد
الأداء ولا كنت أحفظ الألحان. وكان يزيد الحسرة
حسرة علمي بأن هذه العاهة تنقص
حظوتي في مضمار الغرام لأن الصبايا كنّ ـ على حدّ
ما علمت ـ ولوعات بالمطربين. تغني
لهن فيتساقطن عليك من الأشجار العالية وعن سطوح
المنازل... وكانت الضجة نفسها دواء
لابتلائي بالخجل أيضا ولجنوحي إلى الصمت، في حضرة
الكبار، على الخصوص. قلت أصبحُ
شاعرا إذن، عسى أن يكون للشاعر موضع في قلوب
الصبايا، مهما يكن ضيقا. ثم إن الموزون
المقفى كان شيئا معتبرا عند الكبار في ديار نشأتي
وكان سهلا نسبيا أن أحرك لساني
به أمامهم... فلا يعقله الخجل لأن القصيدة كلام
ناجز يكون مهيأ قبل أن تنطق به فلا
تخشى العي ولا التلعثم. وكان إلقائي حسنا مع ميل
إلى الإفراط في رفع الصوت. لذا أخذ
خالي، وكان شاعرا، يشير إلي بيديه وعينيه وشفتيه
ألا أُجهد حبالي الصوتية كل هذا
الإجهاد، خصوصا أن مكبر الصوت يتولى عني معظم
المهمة... وكان ذلك وأنا ألقي، في
حسينية بنت جبيل، أول قصيدة ألقيتها في مهرجان،
وكنت في نحو السادسة عشرة.
أعرف
أن الخبثاء منكم سيقولون إنني ما أزال ظاهرة صوتية
حتى الساعة. وهذا رأي أوافقهم
عليه عن طيب خاطر. على أنني تعلمت بطول المراس
تلحين الكلام. فعدت لا أجنح في
الكتابة إلى رفع الصوت مطلقا وأصبحت الكتابة، في
عرف جسدي، تلحينا للأنفاس لا
إجهادا للحنجرة. أكتب بأنفاسي إذن، ناشدا الراحة
في الشهيق والزفير، وأنصح الكتّاب
منكم بأن يجربوا هذا النحو فسيسروا بالنتيجة. على
أن الرئتين، مع كونهما آلة نفخ،
لا تجاوزان ضبط الإيقاع. وبعدهما يأتي دور اللسان
واللهاة والأسنان والحنك
والشفتين. الشيء الوحيد الذي لا شأن له بالكتابة،
على هذا المستوى، هو الحنجرة. بعد
ذلك يبقى أن نرعى الاتساق في طبقات الألفاظ من غير
تعمل وأن نراقب توارد الألفاظ من
غير لزوم المألوف منه بالضرورة وأن نطلب السلامة
المعنوية للتراكيب لا سلامتها
النحوية أو الصرفية وحسب. ثم إنه يستحب أيضا ـ
وهذه نبقيها بيني وبينكم ـ أن يوجد
عندنا شيء نقوله...
في كل حال، عبرت، قبل أن أغادر المراهقة، من
الحفاوة بالجرس
العالي إلى طلب النفاذ أو إدراك القيعان أو إلى
طلب التحليق أو الإلمام بالأعالي،
وهما سيان حين يكون الحديث حديث الكتابة. كنت أرى
عالم الكلام ـ إن آثرنا الكناية
بالنفاذ ـ محميا بقشرة سميكة وأرغب في ثقبها، هنا
أو هناك، لعلي أصطاد بمنقادي شيئا
من اللجج العميقة. ولم يكن في هذا الطلب أي قدر من
الغرور. وإنما كان أشبه بالحسرة
منه بالرغبة. كنت أقرن النفاذ بالإحاطة، وكنت
بطيئا في كل شيء: في القراءة وفي
الحفظ وفي الكتابة أيضا، ولم أكن بارعا في استثمار
الوقت. وكان ما أعده إحاطة، أي
مقادير المعرفة التي أراها لازمة لطرق موضوع ما،
شيئا مهولا. كنت ألح في السؤال بلا
هدنة: كيف لي أن أقرأ كل هذه الكتب وأن أتعلم كل
هذه الأشياء؟ فأصبح سعيي كله، وبقي
إلى اليوم، مكتنفا بيأس عميق هادئ من إدراك أية
غاية. وتعلمت أن أعتبر كل عمل قمت
به جهد المقل. ولأقل، حتى لا يُظن بي نوع رخيص من
التواضع، إنني كنت أزن تقصيري
بميزان تطلبي لا بميزان ما يقدمه غيري، ما خلا
الكبار، على الأغلب، في صناعة ما من
الصناعات التي زاولت. وأما حيال بحر الكلام
الرمادي والأمطار الحامضة التي يربو بها
البحر كل يوم، فوجدت التواضع مبطلا حدة الآلة
الناقدة ورحت أحسب أعمالي عورا بين
العميان. وشيئا فشيئا، تعلمت أن المستبصرين من
الكتاب قد يأتون بآيات حين يتخذون من
جهلهم موضوعا للتأمل. فإن بعض الفنون يفترق عن
مقادير المعرفة في مواضع يجب رصدها
حتى يتأتى لنا أن نحيك نصوصا تبدو لنا كاملة. وقد
أحببت من بين هذه الفنون فن
الضحك، مثلا، واتخذت الضحك، حلوه ومره، ألقا
للكلام المكتوب وخضرة ينشر عدواها
الكلام المكتوب في الحياة نفسها. كنت أكتب خطبة في
رثاء أبي فجاءتني سجعة ابتسمت
لها ولم أنحّها. وبكيت وأنا أتلو الخطبة وابتسم
السامعون للسجعة وأعجبني ذلك من
نفسي ومنهم. مثل هذا كثير في سيرتي مع النصوص
فأخرج من صناعة النص جاهلا إن كان
النص يضحك أم هو يبكي.
لم أعلم، في الفتوة ولا في الكهولة، ماذا أردت أن
أصبح في
الكتابة. لم أجد في أي وقت جوابا لنفسي يشبه قول
الولد: «أريد أن أصبح ضابطا».
مرارا، سألني الصحافيون تفسيرا لتشتت أعمالي بين
الأنواع واستهلكوا كثيرا من عطفهم
ومن حروف عطفهم، على الأخص، وهم يرصفون الألقاب:
المفكر والشاعر والمؤرخ وعالم
الاجتماع واللغوي وكاتب السيناريو... إلخ. الأقحاح
في هذه الصنائع كلها لم يقبلوني
في أي منها قط. درّست مدة ربع قرن في معهد للعلوم
الاجتماعية وبقي يساورني إحساس
بأن ألصق الزملاء بالتقارير والجداول يعدّونني
دخيلا في بيتهم. وهذا مع أنني لا
أكره الجداول ولا التقارير، حين يكون لها محل، وقد
وضعت بعضا منها وملت إلى المزاح
في عناوينها ولكن لم أخترها محلا للإقامة. ونشرت
ديوان شعر وحيدا قبل ربع قرن
تقريبا، وهذه مدة تكفي لإقالتي من ملاك الشعراء،
إن كانوا أدخلوني فيه أصلا. وكانت
صناعة الشعر من بين صنائعي الكثيرة هي الوحيدة
الامبريالية: لا تطيق ضرّة وتصرفني
عن أمور أكسب بها قوت عيالي وعن أخرى أحبها لا
أكثر ولا أقل. فانصرفت عن الشعر في
أكثر الأوقات وتحملته في أقلها. ويبدي المؤرخون
حيالي تهذيبا جما لم أكن سلّفتهم
شيئا منه في ما كتبت، وهو يبقيني على مبعدة. وأما
اللغويون فيتحجبون دون أمثالي
بحجاب الحصن الحصين.
مرارا قلت للصحافيين إنني وُلدت في ديار كان يلم
الكندرجي
فيها بزراعة الدخان والخياط يقرض الشعر أو يتعاطى
الفلسفة والقهوجي ينقلب إلى
حلاق... فمتى استعبدت الجامعات الناس وقد ولدتهم
أمهاتهم أحرارا؟ ولم أكن طلبت
انتسابا إلى أي من طوائف أهل الاختصاص الآنفة
الذكر ولا دخلت جمعية من جمعياتها قط.
ولا أتحدث بشأن نفسي عن التنوع وإنما أقول إنني
أمضيت في الكتابة عمرا سائبا أميل
حيث تميل بي الريح. والريح هنا ريح الإغراء لا
أقاومه يأتي، في الأغلب، من مهمة
تعرض أو من فرصة تسنح أو من جماعة تتصدى لمشروع.
وأما أنا فلم أكن غير فرد من الناس
يحب أن يتعلم. حب التعلم سري المكنون وعلني. وقد
أعددت للتعلم... وللكتابة أيضا
عدتهما وهي عدة لغوية أولا. بمعرفة اللغة أتعرف كل
ما عداها. ألفت مصطلحا من هنا
وآخر من هناك وتعلمت قواعد ودربت نفسي على أساليب.
تعلمت كيف يصنع معجم وكيف يوضع
سيناريو وكيف يصاغ قانون وكيف يدار مشروع ضخم
للتوثيق وكيف يبحث في رواية عن مجتمع
وعن عصر بتمامهما بما في ذلك ما لم يخطر لكاتب
الرواية ببال. وحين أخط الخط اليوم
وأجمع، أجدني احتطبت من كل واد عصا أو أجدني (وهذا
أدنى إلى إنصاف النفس) جلبت من
واد واحد فروعا متفرقة خضراء. وقد كدحت كثيرا في
تعهد الأشجار التي هي صنائعي ولم
أر مقالة من مقالاتي في ما يرى النائم. بذلت وسعيت
وأتلفت أيامي بلا حساب في ما
اضطلعت به من أعمال. وكنت أتعلم الأصول ثم أرعاها
وأحتفل بالتفاصيل من الفاصلة إلى
الحاشية ومن ترجمة المصطلح إلى إخراج فهرست
الكتاب. وقليلا ما عملت في جماعة
وانتهينا إلى الثمرة المرجوة. وفي أي فريق دخلته،
لم أجدني أتطأطأ في حضرة الأقحاح
من حملة الشهادة المناسبة. وإنما تعلمت منهم
وتعلموا مني. وقد بقي التعلم همي الأول
فلم أندم على سنين كثيرة أضاع بعدها صلف مقاولي
المعرفة جهودي وجهود غيري، بل رضيت
من الغنيمة بتعلم الصناعة أو بتعرف الموضوع.
وقبل أيام، كنت أقرأ مقالات للمؤرخة
التونسية ليلى دخلي. فوقعت في هامش إحداها على
كلام لأندريه ميكيل، الكبير الذي كان
قد أشرف على واحدة من أطروحات عدة لم أكتبها. وكان
في كلام ميكيل تعريف للأدب في
عرف العرب: الأدب الذي تقول دخلي إن العرب اخترعوه
في القرن التاسع الميلادي: في
هذا التعريف أن الأدب «يتّسم عندهم بهمّ المحافظة
على الوحدة بين مضمون المعرفة
المنقولة والصيغ التي يحصل بها هذا النقل. (...)
من هنا فإن اقتران التعليم
بالتسلية أصبح هو القاعدة الذهبية وفن الكتابة
أصبح وسيلة إلى الثقافة وصورة لها
في آن». حين قرأت هذه العبارات، كانت قد بدأت تهجس
لي أسئلة وأجوبة لخطبتي هذه التي
تسمعون. فهتفت بملء رئتي: عاش أندريه ميكيل وعاش
هذا الأدب الذي اخترعه العرب. لا
أنا مؤرخ ولا عالم اجتماع ولا... ولا... ولا...
أنا أديب من عرب القرن
التاسع.
لم أعلم ماذا أردت أن أصبح في الكتابة ولكن ارتسمت
شيئا فشيئا مدارات
قليلة لمطامح تأليفية أخذت تعتمل في وتتسع. واحدا
بعد الآخر، راودني موضوع الصلة
بين الدال والمدلول في المفردة العربية وموضوع
شعائر الجسد وإوالات السلطة في الفقه
الإسلامي، وكان لا يزال يلتمع في بالي ويخبو موضوع
العلاقة بين السياسة والأخلاق.
وهذا الأخير أول موضوع اخترته لأطروحة... لم أكتب
منها غير مشروعها حين كنت مقيما
في باريس للدراسة بين خريف 1963 وصيف .1965 كنت
أقول إنه لو كان إله النصارى يحبني
ـ كما يزعم ـ لكان يسّر لي أن أتفرغ ثلاث سنوات أو
أربعا لكل من هذه الموضوعات فأضع
فيه كتابا كبيرا. وعوضا عن الكتب الثلاثة الكبيرة،
وضعت مقالة في الموضوع الأول
وداعبت الثاني في مقالة أو اثنتين وبقي الثالث
مشروع أطروحة. وأما ما فعلته خلاف
ذلك في هذه السنين الكثيرة فساقني إليه تيار حياتي
السائب في الكتابة، وقد أخذ
يتشعب على هوى الرياح والحجارة. الحرب أغرتني
بحديث الطائفية واتفاق الطائف أغراني
بحديث الانتخابات... إلخ... إلخ. وفي ما وراء
الكدح المرير والليالي النابغية،
تبدو لي الكثرة الكاثرة مما نشرت كأنها أشياء سقطت
من جيوبي بينما كنت أبحث في تلك
الجيوب عن أشياء أخرى. وأما هواي فكان في تلك
المدارات التي تركتها سائبة. اليوم
عدت لا أجد العزم لأدخل في أي من تلك المدارات، لو
أتيحت لي الوسائل، وأترك نفسي
لجاذبيته بضع سنين. الظاهر إذن أن زمنا طويلا قد
مر.
حين عزمنا على الزواج، أنا
وعزة، أخذنا معنا، ذات يوم من ربيع العام ,1969
وجيه كوثراني وحسن قبيسي شاهدين إلى
المحكمة الشرعية. وفي طريق الإياب، أوقف حسن
سيارته التي كنا فيها قرب كومة نفايات
اخذ منها بضعة أشياء من التنك وربطها بخيط وجعلها
ذنبا قصيرا للسيارة. وما إن وصلنا
إلى طرف الشارع حتى أوقفنا الشرطي عند الإشارة
الضوئية وفهمنا منه أن في الذنب
القصير ذنبا أطول منه. فأجبنا بأننا عروسان ولكن
الأفندي لم يأبه أو لم يصدق،
فأمرنا بفك الذنب. وكانت الدولة اللبنانية قد
باشرت جنوحها في تلك الأيام نحو
الغروب، لكن كان بقي لها بعض الجلال، فامتثلنا
لأمر الأفندي. وكان هذا أول عرسنا
وآخره.
كنا نكره أن يُحتفل بنا. لم يكن مزاجنا عكرا مطلقا
بل كنا نسهر ونمرح
كلما أمكنتنا الحال. وأما أن يُحتفل بنا أو بشيء
نفعله فأمر ما كنا لنسلم به. اليوم
تحتفلون بي أو بأشياء صنعتها. وقد بقيت في بقية من
خجلي القديم: خجلي الذي كان
يجعلني أستكثر على نفسي أي شيء أعطاه من بشر غير
أهلي الأقربين. أستكثر على نفسي،
اليوم، كرم الداعين إلى هذا اللقاء وكرم المدعوين.
على أننا، في أيام خوفنا ولوعتنا
هذه، مسروران للغاية، أنا وعزة، بهذا اللقاء...
هذا اللقاء الذي ما كنا لنقبل ما هو
بمعناه في قديم الزمان ولا في زمان أقل قدما.
الظاهر إذن أن زمانا طويلا جدا قد
مر.
(٭) كلمة ألقيت في الندوة التي انعقدت لتكريم
كاتبها، وذلك بدعوة من الحركة
الثقافية، أنطلياس، مساء السادس من آذار ,2007 في
نطاق مهرجان الكتاب.
|