|
يمكن القول
إننا في فترة خالية من الأحداث، وصل التجاذب الى
حال من الاستقرار بل الجمود، غدت
الحدة والتحريض والتشهير والافتراء والتجييش حالاً
روتينية. الهستيريا وصلت الى
توازن وكذلك التوتر، تدجن قلق المواطن العادي وتم
احتواؤه، تحول العنف والتهديد
والخوف الى نظام يومي. انها فترة خالية من الاحداث
والمفترض ان هذا هو اول السجال،
ففي استراحة المحاربين العاصفة يتفرغ الطرفان الى
ترميم خطاباتهما ورتقها واصلاحها
وشحذ حججها. لكن امراً كهذا يتطلب مستمعين
للطرفين، جمهوراً متجاذباً معنياً
بالموازنة بين الخطابات قابلاً لأن يتأثر بالمواقف
والحجج. جمهور كهذا هو ما يسمى
الرأي العام، والسؤال إذا كان الرأي العام انفقد
ولم يعد هناك سوى معسكرين ليس
بينهما سوى خطوط التماس، ليس الجواب سهلاً، ولا
يستعجل القول أن الصراع استقطب
الناس جميعاً وقسمهم بالكامل وليس هناك من يتردد.
الرأي العام كمرجع حاضر ودائم ليس
كذلك هنا. قسم كبير وربما الأكبر تجند في واحد من
المعسكرين ولم يعد يصغي الا الى
ما يطابقه، مع ذلك فإن هناك جمهوراً لم يتجند، انه
مبعثر ولا يظهر اي دينامية
كبيرة، وباستثناء الوسط المسيحي الذي لم يصر الى
حال من التكلس النهائي ولا يزال
جانب منه متنازعاً وغير محسوم، فإن ثمة اقليات في
الاوساط الاخرى لا تزال متململة
حائرة، تبدو الممارسات الهجومية للطرفين مستغنية
عن هذه الاقليات قافزة عليها. لكن
الهجوم قد يستعجلها للحسم ويخلق حولها جواً من
الحصار لا تستطيع معه ان تطيل
ترددها، الدوي الحربي يسبق المحاكمة الفكرية
والموازنة ويدعو اصحابهما الى اللحاق
بالجمهرة المقاتلة، الخطابات الهجومية تملي
تواطؤاً صريحاً وترغم المستمع على ان
يتخطى النقاش والموازنة، على ان هذه مرحلة غدت في
الخلف والمطلوب الآن مبايعة صريحة
ومطلقة وتسليم كامل واندفاع يسبق غالباً الخطاب
ويستقره الى مزيد من الهجوم.
في
فترة خالية من الاحداث، يستمر السجال هستيرياً
مخافة ان يغتال الهدوء التحرك او ان
يفقد زخمه في فترات الركود او لكي يغطي الصخب على
التململ وتراجع الحماس، ويوهم
ببقاء الوتيرة نفسها. لا نستطيع ان نؤكد شيئاً
لكننا نفترض ان الجمهور لم يعد في
كامل جهوزيته كما يقال. لا بد ان الأشهر الثلاثة
بدأت تثقل عليه، وأن الحرب بدون
معركة بدأت تستنفذه فإذا اضفنا الى ذلك القلق
الاقتصادي والأمني جاز الافتراض بأن
التململ لن يعتم ان يتسرب الى المزاج العام.
الا يزال الصبر والاستعداد في
تمامهما لدى الجمهور كما يحب قادة حزب الله ان
يؤكدوا، هل استطاع الحزب ان يقولب
جمهوره العريض ويدمجه في آلته بحيث لا يدخل عليه
الزمن ولا الظرف ولا النتائج ولا
يتأثر بأي عامل خارجي. إذا كان هذا شأن جمهور حزب
الله فهل هو ايضا شأن جمهور
التيار الوطني الحر، وهل تستمر الى ما لا نهاية
معجزة استنفار دائم لجماعات كاملة
وأقسام عريضة، ام ان انتفاء اي تجاذب يجعل الجمهور
تحت خيار اوحد. وهل يعني ذلك ان
إمكانية عزل قطاعات واسعة، وإخراجها من كل سياق
طبيعي وإبقائها تحت رقابة دائمة،
إمكانية مطلقة وبلا حدود، ألا حساب على الاقل
للتعب والملل اذا لم يكن هناك حساب
لمخاطر سبق اختبارها ولكوارث مجربة، والى اي درجة
يمكن تشييد واقع زائف كامل، هذه
اسئلة من الخطر ان تكون صارت وراءنا، وان تكون
المواجهة تخطت الواقع وباتت تعمل
بآلياتها الذاتية.
اذا كانت التحالفات الانتهازية التي اخرجت
الاكثرية المسيحية
هي الخطيئة الاستراتيجية لـ14 آذار، فإن الاضراب
الاخير هو الخطيئة الاصلية لحزب
الله والمعارضة. في الحالين بدا ان طرفا منتصرا،
او شبه له ذلك، يتوهم ان بوسعه
تخطي التوازنات اللبنانية وان يستولي بمفرده على
الوضع. لا موجة ما بعد اغتيال
الحريري استطاعت ان تعلو على سياج الجماعات ولا
موجة الصمود الشيعي ما بعد حرب تموز
ـ ايلول امكنها ان تفعل ذلك. استطاعت الممانعة
السريعة والسلبية للجماعات ان تحبط
اوهام القوة هذه. الاضراب اظهر ان مشهد الشمول
والتوحيد القسريين يستفز ممانعة
فورية، وان الطرف الذي يقوم به لا يكاد يهنئ نفسه
حتى يواجَه بردات فعل تجعل
مستحيلا القيام بخطوة اخرى الى الامام وتسد افق
التحرك نفسه. لا يزال 14 آذار يجني
ثمار محاولته القفز على التوازن في لحظة انتشاء
بذاته، وهو للآن يواجه الانقسام
الذي تأسس على هذه المحاولة. احتاج الامر الى كل
هذا الوقت لتسمح اخطاء الطرف الاخر
باستعادة القليل. لكن المعارضة بعد الاضراب لا
تستطيع العودة الى ما قبله ولن تكون
هي ذاتها على كل حال، لقد بدا الاضراب محاولة
استيلاء تم صدها، امكن النجاح لليلة،
لكن الانتصار بدأ يتآكل من الليلة الثانية. كان
الاضراب في ذات الوقت «بروفا» حربية
من النوع الذي يتماهى مع مخيلة نقل المعركة الى
الداخل وتحقيق انتصار سياسي بفعل
«الانتصار
الحربي» كما تكلم كثيرون من قادة المعارضة في حزب
الله. البروفا الحربية
لم تنجح مما ألقى ظلاً على تحرك بدا كله أسير
مخيلة مماثلة، فالحملات الكبيرة
والتموقع والاعتصام في وسط بيروت وحصار السراي
وتعطيل اللعبة السياسية بحيث يغدو
السجال مباشراً، كل هذا يحمل اسماء حربية ويندرج
وإن سلمياً، في ما يشبه خطة
قتالية. بدأت بالحشد والحصار فيما بدا الاضراب
هجوماً واقتحاماً ومحاولة استيلاء.
لم ينجح الاضراب لأنه من اللحظة الاولى تمسك بكونه
مظهر قوة، ولأنه بدا بلا وجه
مطلبي وأن حجته المطلبية صورية، ولأنه بدا إمساكاً
بمفاصل البلد في العاصمة وغير
العاصمة. لقد انتقل من الحصار والحشد الى
الاقتحام، وإذا لم ينجح فهل يتراجع مجدداً
الى الحصار والاعتصام، ام ان هذين باتا بمجرد
قيامه متجاوزين وبلا فعالية.
جعل
الاضراب الاعتصام وراءه ومنذ قيامه لم يعد
الاعتصام غاية بذاته وبدا مستنفذا
ومظهريا. كان في وسع جماعة 8 آذار ان تستثمر
الاعتصام اكثر، اذ ان في الحشد بمئات
الألوف وفي تعطيل الوسط التجاري ومحاصرة السراي
والاعتصام اليومي ما يكفي وما يزيد
عن حاجة الوضع اللبناني. لقد امكن تعطيل الدولة
وتعليق الوضع كله وإظهار الازمة
والانقسام الداخليين وعرض القوة الهائلة للمعارضة،
وفي هذا كفاية وفي هذا ما يزيد
عن حاجة المفاوضة، لكن اكثر من ذلك يتخطى المفاوضة
الى محاولة الانتصار، اي تخطي
الانقسام بالفرض. هذه تجربة فشلت فيها جهة 14 آذار
وكان احرى بـ8 آذار ان تتعظ، لقد
كسف الاضراب الاعتصام وجعله على قوته وإمكاناته
متجاوزا، هذا يعني ان التحرك يأكل
نفسه. لقد جازف بالاعتصام ولم يتوقف امام الاضراب
فماذا بعد. هل هو العصيان المدني
وهل يجهل عاقل بأنه سيكون على نحو ما، تكراراً
لتجربة الاضراب، اي انه لن يكون
شاملاً إلا بالقوة، وسيكون عندئذ، ومجدداً،
اقتحاماً اي ابقاء للمجتمع كله وهو
منقسم، تحت رحمة ارادة طرف واحد. وماذا سيعقب ذلك
سوى استفزاز ممانعة طرف وزيادة
التحريض الاهلي. لا يشك عاقل في ان أمراً كهذا
(الطريف ان بين من يدعون له رؤساء)
لن يكون سوى تهديد بالدمار العام. تعطيل الادارة
بعد الدولة والوضع السياسي لن يبقي
بلداً ولا نعرف الى ماذا ينتهي الامر اذا تم تعطيل
المجتمع وإخراجه من كل العقد
الاجتماعي بلغة روسو. اذ ذاك سيكون بلا معنى ان
نعود للكلام عن وزارة الوحدة
الوطنية وعن الوزير الملك وتشكيلة 9/11 او تشكيلات
سواها. سيكون الامر تخطى ذلك
تماما، اذ لا يمكن الحلم بعد ذلك بانتخابات رئاسة
او قيام وزارة او انتخابات نيابية
او مجلس نيابي وستغدو الادارة والجيش ذاتهما موضع
تنازع. ما يفوت 8 آذار هو ان
ضرباتها لا تصيب فقط بل هي اكبر من أهدافها. إن
تعطيل الحكومة تم بمجرد انسحاب
الوزراء الشيعة وكل ما تلا ذلك لن يزيدها تعطيلاً.
ما تلا ذلك يصيب العقد الاجتماعي
ومفهوم الدولة نفسه، ولنقل ان الهجوم الكبير الذي
تجلى في الاعتصام وتظاهراته ثم
الاضراب والآن في التلويح بالاعتصام وجد ويجد
جوابه في تفكيك متزايد للمجتمع
والدولة. عقلية الهجوم هذه، ويمكن ان نتكلم عن
عقلية هجوم، تؤدي دائما الى تصعيد
جديد. والتصعيد يكسح دائما في طريقه روابط اخرى
ويجعل التفتيت اكثر فأكثر قاعدية
ويزيد من افقيته. يمكننا ان نتساءل ماذا سيحصل
للسلم الأهلي مع كل هذه الهجومات
الجارفة، إن الاستهانة مثلا بالموضوع الاقتصادي
وتداعيات الجمود الحالي على معاش
الناس وعلى الحركة الاقتصادية معبّر للغاية. إذا
كان الهجوم لا يبالي بأن يكسح
الوضع الاقتصادي فماذا يهمه ان لا يكسح وما هو
الوازع الفعلي الذي يقف عنده. إن
تصور اللعبة في نطاق الحكومة والمعارضة زائف
تماماً. ومن يصدقونه فعلاً لا يعيشون
هنا. ففي مجتمع لم تقم فيه دولة منذ عصور يمكن
تجاوز الحكومة من الضربة الاولى ونقل
الصراع الى المجتمع كله، اذا صدقوا ام لم يصدقوا
فإن المعركة، من زمان هنا.
|