|
| |
المستقبل
10-03-2007 |
|
سٍلاحٌ برسم التقسيم
 |
|
إنقلابيو آخر زمان، وآخر وصفة "خارجية" وآخر
المحميات "الأممية"، عندهم، بارك الله، أسلحة
وفيرة. كانت حية، ومشروعة، ومقبولة عندما كان لها
دورٌ تحريري، وردعي، ودفاعي ومقاوم ضد الاحتلال
الصهيوني، وباتت ميتة، وغير مقبولة، عندما استبدل
دورها لينتقل الى الداخل، نحو "عدو" بديل هو الشعب
اللبناني، وأرض معادية هي الأرض اللبنانية، ودولة
"غريبة" هي الدولة اللبنانية، وديموقراطية
"مستعارة" هي الديموقراطية اللبنانية، وسيادة
"عميلة" هي سيادة اللبنانيين على أرضهم...
عند هؤلاء "الإنقلابيين" المرتبطين بمرجعيات
"إنقلابيانية" على صورتهم، والذين يتهمون ثلاثة
أرباع "شعبهم" بالخيانة (وهم الأقلية الوطنية
المخلصة والوفية!) عندهم أسلحة وفيرة، تتفوق على
أسلحة الجيش الوطني (بدأوا يشككون فيه!) والعديد
من الجيوش العربية (وحتى الإسلامية والهندوسية
والبوذية!) ومع هذا يأخذون على "خصومهم" بأنهم
يتسلحون ويتلقون الأسلحة من هنا وهناك، لإثارة
الفوضى و"الحروب الأهلية" والفتن الداخلية أو
إحداث انقلاب، بالطبع، وبحسب رأيهم "خدمة" للعدو
"الصهيوني" و"الشر الأميركي"، والخزي الأوروبي،
والردة الروسية، والأطماع الصينية، والعولمة
"اليابانية"، والنفوذ "العربي"!
عال! إذا إنها الأسلحة! يعلنون أن ترسانتهم
"الحربية" (موجودة للعلم والخبر في بيروت!) أقوى
مما كانت عليه قبل "النصر الإلهي"، وهذا طبيعي فكل
نصر إلهي يستدعي مزيداً من الأسلحة الإلهية
والأموال "الإلهية". وأن صواريخهم باتت تتجاوز
الثلاثين ألف صاروخ! عدا المدافع والعدة، و...
العديد (هذا العديد الجاهز بطالة مقنعة...
ومدفوعة!). ثم يعلنون عن غيرهم بأنه يتسلّح،
ويكوّن ميليشياه، فأين المشكلة؟ إذا كانوا مدججين
بسلاح لم يعد موجهاً الى العدو... فلماذا يستغربون
ويستنكرون سلاحاً آخر مقابل سلاحهم، (هذا إذا كان
ثمة سلاح آخر في المقابل)، فنحن نزعم أننا نصدقهم
(قلت نصدقهم!).
إذاً السلاح بالسلاح! والعين بالعين. والسن بالسن.
والمقاومة بالمقاومة. والحرب بالحرب. والميليشيا
بالميليشيا. هذا هو منطقهم الاستدراجي، وهذه هي
نظريتهم الكمونية. ولهذا على "الإنقلابيين" من
كَرَهة الحياة، والعمران، والحضارة، أن يفرحوا،
ويغتبطوا، لأنهم نجحوا (بحمده تعالى) في جعل
"الشريك" "الآخر" يشبههم، أو في جعل "أعدائهم"
الداخليين يمتلكون "مواصفاتهم"، وخنادقهم،
وأنفاقهم، وذخيرتهم ومواقعهم!
هذه هي تمنيات الإنقلابيين من أهل 8 آذار أن تصبح
كل البلاد "إنقلابية". هذه هي تمنيات أهل العنف:
أن يصبح الآخر المسالم، الأعزل، عنيفاً. هذه هي
تمنيات ربيبي الترهيب: أن يصبح الآخرون من ربيبي
ومنتجي الترهيب. بمعنى آخر على هؤلاء أن يضحكوا
"انتصاراً" في سرائرهم (الغامضة المعتمة) لأنهم،
وباتهاماتهم هذه، يجعلون اللبنانيين خارجين على
الدولة، وعلى النظام، والقانون، والشرعية ليعودوا
الى عهد الكانتونات، والقوى الخاصة، والتقسيم.
فالكانتونيون يجب أن يستولدوا "كانتونيين" آخرين
لكي يبرروا كانتونيتهم المعلنة في ضوء الشمس.
والإنعزاليون الجدد يضيرهم كثيراً أن تترسخ أو
تتعزز ظواهر التوحيد والانفتاح. والتقسيميون
"الجدد" (طبعة آخر القرن الماضي وتلاويح القرن
الجديد) يزعجهم أن يستقيم خطاب توحيدي عند أكثر
اللبنانيين! لذلك فهم، ولكي يموّهوا مآثرهم
الإنعزالية، والتقسيمية والإنقلابية، لا بد من أن
يتهموا الآخرين بها! فهذا من ألِغْباء الإعلام
الموجه والمفضوح.
إعلامهم رائع. صدّق أو لا تصدّق. فمن أين هذا
الإعلام النظيف، الإيماني، الموضوعي، الدقيق. وهذا
من صميم العقل الديموقراطي. ومن صميم جمهوريات
الفستق والموز والبيض الفاسد والجنات المصطنعة.
كل يوم يتم ظهور مأثرة من مآثر هذه المعارضة
(تعارض الناس والوطن بإذنه تعالى)، كاكتشاف أسلحة
مهربة الى الداخل اللبناني. وبقدر ما تُرسَل أسلحة
وتكتشف أسلحة "مهربة" (لمحاربة العدو من بيروت
والشمال والشرق!) يصدح إعلامهم، وتزقزق أبواقهم
باتهام الأكثرية بالتسلّح. وكلما تكرسوا
"ميليشيات" وقوى غير شرعية، اتهموا الآخرين بتكوين
ميليشيات. وكلما تمادوا في ضرب الدولة ومؤسساتها،
إتهموا الآخرين بالسعي الى ضرب الدولة. وكلما
ازدادت "روابطهم" بالخارج (المعلوم) إتهموا
الآخرين بتنفيذ "أجندة" خارجية! وكلما حرّضوا على
العصيان غير المدني (ويسمونه مدنياً)، وغير
الحضاري، إتهموا الآخرين بالخروج على الدولة،
والقانون!
إذاً، وبصريح العبارة، إن هؤلاء الإنقلابيين،
بعدما فشلوا بكل انتصاراتهم الداخلية، ربما
يهيّئون لمغامرات "إلهية" جديدة... لن تؤدي إلاّ
الى ما أدت إليهم "انتصاراتهم" الانقلابية في
الوسط التجاري (وهو ملك آبائهم وأمهاتهم
وأسيادهم...). ومن ضمن هذه المغامرات، أو من
زينتها، وضرورتها، ووسائلها: عصيان مسلّح لا يمكن
أن يؤدي إلاّ الى ردّ مناسب شعبي بامتياز (كما
كانت الردود الشعبية التي خذلتهم في كل لبنان).
ولو دفع الشعب ثمنه غالياً.
فهؤلاء "الإنقلابيون" قد لا يكونون في وارد أن
يسيطروا على السلطة كاملة، وعلى الدولة كاملة،
وعلى القرار الوطني كاملاً، وعلى مقدرات البلاد
كاملة... ولكنهم في وارد تدمير الأسس التي يقوم
عليها هذا الوطن. وأدوات التدمير التي يحضّرونها
بمؤازرة الوصايتين (وربما إسرائيل من يدري،
فالتقاطع حدث في أكثر من مناسبة)، هي السلاح...
والتخريب، وتفكيك الوحدة الوطنية، والدولة،
والدستور، والقانون والشرعية. أي عودة الى زمن
التفكك. فهذا في رأيهم (قلت رأيهم!) يضعهم في
واجهة الخراب. (وهم متعطشون الى الخراب). أي في
واجهة خدام الخارج ظناً منهم، بأنه كلما ضعف الوطن
قويت شكائمهم، وكلما افتقر الوطن ازدادت سيطرتهم
على الفقراء لا سيما من أهل شرائحهم... وشرائح
الآخرين. وكلما، ساد العنف سادوا لأنهم أبرع وأفتك
وأشرس وأعلم وأقسى! إذاً المأثور الشمشوني: عليّ
وعلى أعدائي يا رب! لكن المأثور الآخر أيضاً:
عليهم فهم أعدائي (يقصدون أكثرية شعبهم) يا رب! أو
ليس هذا ما يُفَسِّر تدفق الأسلحة: لكن من يدفق
هذه الأسلحة إليهم؟ اسرائيل فلنقل لا! (حتى الآن).
مَنْ إذاً؟ الأخوة في المصير والايمان والأقربون؟
نعم؟ لماذا؟ بل ولِمَ هذا الجودوالكرم من ناس
يضعون أنفسهم في دوائر التهديد من العدو وأميركا،
ثم "يُهدون" الأسلحة والمال الى غيرهم؟ غريب؟
أوليس من الطبيعي أن يحتفظ "المهدَّد" بسلاحه
وماله وطاقته ليدافع عن نفسه في بلاده، وأمكنته،
وحدوده؟ هذه الأسلحة التي تأتي من خارج الحدود
لأهل الانقلاب... ترى ألا تحتاج إليها "المصادر"
التي ترسلها... سواء في أراضيها المحتلة، أو
المعرّضة للاعتداء، إنه لكرم فائض ما بعده كرم؟ أن
تعطي أسلحة لمن لا يحتاج إليها، وأنت في أمس
الحاجة إليها؟ بل أكثر: كيف لهؤلاء أن يرسلوا
المسلحين والمدرّبين الى لبنان، وحدودهم تحتاج
إليهم؟ كأنهم يفضلون الدفاع عن لبنان بدل الدفاع
عن أرضهم، وقضاياهم. بل كأنهم "يبتكرون" عدواً في
لبنان (أقصد الوصايتين) ليكون بديلاً من عدوهم
"المشترك" (قلت المشترك!). والله كيف لنا أن
نشكركم؟ وكل كلام يعجز؟ بل كيف لأيدينا أن تتسع
لعطاياكم الكبيرة؟ بل وكيف لقلوبنا الصغيرة أن
تستوعب عواطفكم العظيمة! اخترتم لبنان لتدافعوا
عنه، وتهزموا اسرائيل وأميركا فيه. ألف شكر! تركتم
أرضكم المسبية، ومفاعلاتكم النووية، وتهديدات
الامبريالية لتحاربوا من عندنا. إما من حدودنا
التي جعلتموها حدودكم (ما أكرمكم!) وإما من مدننا
وقرانا التي جعلتموها أعز من مدنكم وقراكم. فما
أعزكم! وإما بحروب تصنعونها بيننا، بديلة من
الحروب مع أعدائكم. فما أجملكم. وما أوفاكم! وإما
لتدمروا اقتصادنا "الكافر" والعميل. بدلاً من
تدمير اقتصادات المعتدي. فما أعظمكم! وما أعدلكم!
وما أخلصكم! فمن أين كل هذا النقاء! وهذه
الشفافية. وهذا التجرّد من الذات! والأنانية! حتى
تجعلونا نحن، الأضحية المقدّسة، والمختارة،
والفريسة المهداة من الآلهة! فما عسانا نفعل بكل
هذه "الأكسيرات" من عطاياكم، ومكرماتكم، وأياديكم
البيضاء. بل كيف لنا أن نكافئكم على ما تبذلون من
أجلنا وتبعثون به إلينا من سيارات مفخخة، ومدافع
طويلة المدى، وقصيرة المدى، وقنابل، ورشاشات
وذخيرة! بل كيف نقابل "سرائركم" البيضاء الناصعة
علينا، وكلامكم المعسول، الذي أقله أن أكثرية
شعبنا (وهو شعبكم!) عميلة وخائنة. وأن أرضنا لا
تصلح إلا كمتراس لكم، وحدودنا لم توجد أصلاً إلا
لتكون حدودكم، وجيشنا لا مهمة له سوى "حماية"
مخططاتكم؟ وان سلمنا الأهلي من سلمكم الأهلي؟ عال!
إذاً، ولكي تغمرنا أعطياتكم، وتعانقنا حرارتكم،
وتستبد بنا نياتكم الحسنة، وتطمئننا سحنكم
"اللماعة" (بالمكر)، أَكْثِروا من هذه الهدايا
(ولا تنسوا المال النظيف أُوعى؟)، واملأوا
فضاءاتنا، وبطون أرضنا، وتلالنا، ومدننا وقرانا
وبيوتنا بالسلاح النظيف، وبالمؤامرات النظيفة، ولا
سيما الانقلابات النظيفة التي ترسمونها في الخفاء!
أكثروا منها! لأن الناس هذه المرة، أقصد الشعب
اللبناني، سيقابلها بما ملكت يداه، وما ملك
إيمانه، وما ملك ضميره الوطني...
أرسلوا! وأمطرونا سلاحاً! فسيكون ناسَنا الذين
صنعوا السيادة، والسلم الأهلي، والديموقراطية،
والعدالة، والحقيقة، في المواقع التي تتيح لهم
الدفاع عن أنفسهم، وعن وجودهم، وعن دولتهم...
وكيانهم، ورد النصال الى نحور أصحابها، والمنقلبات
الى المنقلبين، وقطاع الطرق والأحلام الى أحجامهم
الحقيقية: مجرّد مرتزقة من ألفبائهم الى يائهم! |
|
|

|
|
|