|

حين وصلني
تاريخ بيروت في أصله الفرنسي أجلته، قلت هذا كاتب
شاب ويستطيع أن ينتظر. ما كان في
ظني أنه كتاب وداع ولا خطر لي أني بعد وقت سأنظر
إليه بتهيب كما لو كان مدفناً
رمزياً. أما الآن وقد بارح
سمير قصير
وبيروت في عز ارتباكها وتجزؤها فإن من الصعب
أن نقرأ تاريخ بيروت بدون أن نفكر بسمير وهو
يتوارى بدون حرص كبير وراء التاريخ
ووراء سمة المؤرخ. من الصعب أن لا نجد في رحيل
سمير عن هذا المجلد الضخم رمزاً
قريباً لبيروت المدينة وللبلاد كلها. فها هو جهد
عظيم فعلاً لا يصمد أمام نزوة
ويلعب به في لحظة غير مرجوة ولا متوقعة تقليد
إجرامي، إنها التراجيديا اللبنانية
صريحة فها هو قدر مخاتل يسرق باليسرى ما أعطاه
باليمنى، يخطفنا بإشراقة باهرة تنتكس
بعد قليل الى خبط في أزقة مسدودة. كثير علينا إذن
أن نقرأ كتاب سمير قصير بدون هذا
الرعب المصيري وبدون أن ننحني للخسارة ونتمثل لها،
إذ مهما كان علو الاستشهاد فإننا
لا نربح على التراجيديا ولا نتعادل معها.
من الصعب أن نقرأ «تاريخ بيروت» بدون
أن نفكر بسمير قصير الذي لحسن الحظ، ترك لنا
علامات في كل مكان تقودنا إليه، فرجل
لم يكن غافلاً عن سحره كسمير ما كان يمر في مطرح
بدون أن يترك بصمة وتوقيعاً. يخيل
إليّ أن سمير في كل هذه التواريخ الطويلة التي
كتبها كان يؤرخ لنفسه أولا. إنها
مهابطه وسيَر ما قبل ولادته التي جعلته يتوسع في
تاريخ فلسطين ولبنان. يؤرخ سمير
لبيروت لكن نراه شاهدا على المحجر الصحي أيام حملة
إبراهيم باشا وطريق العربات الى
دمشق وتوسيع المرفأ وبناء خان أنطون بك وتوسع
المدينة الى التلال المحيطة وبناء
الجامعتين الأميركية واليسوعية والجدل حول
الداروينية في الجامعة الأميركية وبذخ
البرجوازية اللبنانية والحرب الأهلية وبناء
سوليدير. نراه شاهدا وشبه حاضر فسمير
قصير يتكلم بصوته الخاص في كل صغيرة وكبيرة، يتحمس
ويتحفظ ويبتهج ويقطب ويسخر
ويحتج. فما نقرأه في تاريخ بيروت بعيد عن مدرسيه
تواريخنا الغالبة التي توكل للموت
أن يكون راوية وناطقا. «تاريخ بيروت» هو ككل ما
كتب سمير قصير مكتوب بشغف، ومؤلفه
صاحب شغف. إنه لا يخلع جلده ولا جسده ولا صوته ولا
قلبه أو عقله حين يكتب فالكتابة
بما في ذلك التواريخ هي اصطدام جسدي عقلي روحي.
بيروت وهي تتكون اقتصاديا وثقافيا
وعمرانيا هي جسد سمير التاريخي والثقافي الكبير
وهو يجد فيها حفريات حياته وثقافته
وشخصيته. ولنقل إنه يجد فيها على نحو ما روايته
العامة.
لا يتراءى لأحد من ذلك
أن «تاريخ بيروت» أدخل في الأدب، وإن كان هذا لا
يضيره. «تاريخ بيروت» تاريخ حديث
للغاية وليس تأريخا فحسب كما هو أغلب تواريخنا، أي
أنه ليس سجل وفيات للواقع بقدر
ما هو تمثل وتشخيص له في طبقاته المتراكبة
الموصولة، وإذا كنا نقرأ هنا تطور
العمران والمعاش والحياة اليومية فإننا حيال تاريخ
نادر في كتابتنا. سمير تنكب
الصعب كما يقال، لقد دخل الى التاريخ من حيث لا
نكاد نجد تاريخا ودبج 600 صفحة
تقريبا من تفاصيل لا نتعجب من أنه وجدها فحسب ولكن
من كونه رتبها وفرشها حجرا حجرا
على فسيفساء شاسعة، لا نزال نرى فيها حياة وافية
لمدينة في سيرورتها ونموها. هذا
بالطبع قليل عندنا وأن يستطيعه سمير قصير فهذا
يعني أننا أمام قماشة جديدة ونظر
جديد وخسارتنا في هذا المجال كبيرة. غير أن فضل
سمير قصير الأول مع قليلين هو انهم
أوجدوا لنا تاريخا، إذ قبل هذا المؤلف وقليل سواه
ما كنا نأخذ الفكرة بجد، ولسنا
نسيء الى أحد إذا قلنا أن تاريخنا السياسي جزء من
فولكلورنا أكثر مما هو جزء من
علومنا. انه كما يبدو لغير المختصين مثلي، مكتوب
بحبر العصبيات الخاصة والعامة
والذاكرة الشعبية والأسطرة الساذجة. لعلها مسألة
إيديولوجية أن لا نصدق تاريخنا أو
أن لا ندخله في منظوراتنا، نترفه بقراءته وروايته
ولا نقيم بيننا وبينه أي اتصال.
أما «تاريخ بيروت» فلم يكتب للتفهكة ولم يكتب
للمفاخرة، لقد كتب بالضبط ابتداء من
الحاضر. انه على نحو ما البنيان الزمني والتطوري
للحاضر وهو بالطبع حفرياته وأصوله
وأعماقه ومساره. لا يتكلم «تاريخ بيروت» عن ولاة
ومقاطعجية ومشايخ صاروا في وهمنا
سلاطين وصناع تاريخ بل يتكلم عن التاريخ الحي
وأهله الحقيقيين، ولنقل ان من عماوتنا
الايديولوجية اننا لا نصدق ان لنا تاريخاً ونؤثر
ان نكون سقطنا من كم اسطورة ما او
مبدأ أعلى او جوهر او معجزة. اما تاريخ سمير قصير
فلا يمكننا إنكاره ما دام ماثلا
في لباسنا وطعامنا ويومياتنا ومعاشنا.
لا يمكننا إنكاره كما لا يمكننا إنكار
جلودنا وأنفسنا. اما المفاجئ اكثر فهو ان هذا
التاريخ وإن كان عامراً بالخلافات
والنزاعات والتفاوتات والتباينات فهو ليس ملكاً
لأفراد بعينهم او وقفا على اشخاص.
انه تاريخ يشمل الجميع وان يكن باقدار مختلفة ثم
انه ارث للجميع. لنقل ان «تاريخ
بيروت» يشرك البيروتيين بل اللبنانيين في هذا
المسار الذي يتعدى التقسيمات
الادارية، ويتعدى اسماء الولاة والمشايخ والأمراء،
ويتعدى العائلات والعشائر
والطوائف. انه زمن آخر يندرج فيه معمارهم وأشغالهم
وشؤون يومهم وأمزجتهم وأذواقهم
وردودهم. زمن لا يتوقف عند وال وقد لا يتوقف عند
ولاية او متصرفية. هذا الزمن بطاقة
وجود لبلد يختلفون على وجوده، وعنوان هوية لبلد
تحار فيه الهويات على حد عنوان سمير
قصير. بل إن تاريخ بيروت وأمثاله قد يكون هو ذلك
التاريخ المفقود الذي لا زال
اللبنانيون يبحثون عنه، طلبا لثقافة مشتركة، ولا
يجدونه.
لكن سمير قصير صاحب شغف
كما قلنا وتاريخه هو ايضا هذا الشغف، لا يخفي انه
دفاع او مرافعة طويلة عن بيروت
التي يحتاج الدفاع عنها الى عصبية بلا حدود (على
وزن اطباء بلا حدود)، عصبية للتعدد
والانفتاح والانتماء الكوني، سمير لا يجد في بيروت
مركزاً عسكرياً او سياسياً لكنه
يعتبرها الاولى من ناحية اخرى، انها بحسبه واجهة
الحداثة العثمانية. حاضره العرب
الكوسموبوليتيه، بوابه الشرق، والمتربول الاقليمي
الجامعي...
هذه تسميات كلها
تلح على اولوية ومركزية حاسمتين. صدارة بيروت من
مكانها في عملية التحديث اما
تاريخها فهو هذه العملية نفسها. التحديث زمن آخر
يسبق الزمن السياسي وأحيانا يتفارق
معه، لكنه مع ذلك نشأ من ظروف وقابليات ملموسة، لم
يكن بحت معجزة فحتى المعجزة لها
اسباب. تاريخ بيروت هو المثل التحديثي الذي اختطته
المدينة. مثل استمر منسقا متصلا
خلال اكثر من قرن ونصف. لم تمنعه الانتكاسات ولا
التفاوتات من ان يتتابع وينتشر
ويتوسع، ويستقطب بالتفاعل والمحاكاة والتقليد
احيانا اكثر فأكثر من حياة المدينة
وسكانها. لنقل ان «تاريخ بيروت» هو تاريخ هذا
التحديث وهو مرافعة عن المثل التحديثي
في الشرق كله. شغف سمير قصير يغلبه هنا فهو يقدم
بيروت امثولة للعالم العربي
ولبلدان الشرق، لكن النموذج التحديثي متفاوت
والبقاء عنده جعل في الغالب الجانب
المقابل من الحياة البيروتية في الظل. مع ذلك فإن
تاريخ بيروت هو تاريخ التشابك
والتفاعل
والمحاكاة وهذه تعني ان بيروت على هذا المستوى
قادرة على ان تقدم تاريخا
وتقدم نموذجاً وتقدم تجربة جامعة، ما يبدو ان
الوطن إذا تكلمنا في السياسة عاجز عن
تقديمه. إذا تأملنا في «تاريخ بيروت» وجدنا ما
تنفيه التجزئة السياسية، وجدنا ما
يمكن ان يكون وحدة حياة ونمطاً لبنانياً، فهذا
الاشتراك في المعيش واليومي وفي
الأذواق والمشارب والفولكلور وفي سبل التدبير
والتصريف، كل ذلك يفصح عن اشتراك
وتفاعل لا ترجمة كبيرة لهما في الصراع السياسي.
ربما لذلك شاء سمير ان تكون الحداثة
هوية بيروت وربما هوية لبنان. إذا قال سمير ان
الطائفية كما هي اليوم ضريبة
الحداثة، فإنه يعلم ان للحداثة ضرائب اخرى لا
نتوقف عن دفعها. مع ذلك فإنه لم يجد
الوقت لينتقل الى نقد التحديث من داخله كما فعل
اورهان باموق التركي حائز نوبل لهذا
العام. لا يزال الدفاع عن الحداثة اوجب من نقدها
عند سمير قصير، لعله هنا يظهر عن
طبعه النضالي. لكن حسه التراجيدي مع ذلك كبير فهو
كما تعجب في تأملاته عن الشقاء
العربي من اعجوبة انقلاب كل ما هو ايجابي وبناء في
تجارب الشعوب سلبا ووبالاً
علينا، لا يأمن في خاتمة كتابه من ان تنقلب بسمة
بيروت شقاء. ذلك نوع من مواربة
التراجيديا ومن فن الصراع معها، لكن قارئ «تاريخ
بيروت» لا يزال يشعر مع ذلك ان
سمير يبتسم، ولقد ذهب بهذه البسمة غالبا الى ساحة
الحرية، انه متفائل وليس عن عبث.
لقد وجد السر تقريباً، إذا كان كل شيء عندنا ينقلب
الى ضده فلا بد ان تسلك الاشياء
على طبيعتها ذات يوم. بهذا الامل ذهب سمير قصير
الى ساحة الحرية ولا بد ان الانفجار
حصل في اللحظة التي لا نخال أن الاشياء تنقلب فيها
الى ضدها، وربما حدث في لحظة
الأمل نفسها.
|