|
كتبت
جويل رياشي:
بعد سنة وسبعة اشهر على غيابه، يستقبلك
سمير قصير
بقامته
"البرونزية"
في الحديقة المجاورة لمبنى "النهار" والمسماة على
اسمه، قبل ان تدخل
الى مكتبة "البرج" حيث اقيمت مساء امس ندوة حول
كتابه "تاريخ بيروت" لمناسبة صدور
الترجمة العربية له.
سنة وسبعة اشهر ولم تجف بعد دموع الام والاب
اللذين حضرا
باكرا الى المكتبة وجلسا في الطبقة العلوية حيث
المقاعد قليلة والمساحة لا تتسع
للمحبين والاهل والزملاء والطلاب والرفاق الذين
احتشدوا امام المكتبة حيث نُصب
مجسّم لرياض كامل يمثل خريطة بيروت مع نقطة حمراء
مضاءة في مكان الجريمة التي ذهب
ضحيتها سمير قصير في 2 حزيران 2005.
الندوة ادارها الروائي الزميل الياس خوري
الذي دعا الحاضرين الى "مائدة سمير قصير البيروتية
التي تتسع للجميع"، وتوجه الى
المحتفى بكتابه قائلا: "الذين قتلوك كانوا يريدون
قتل روح المدينة كي لا يتفتح ربيع
بيروت ويصبح ربيعا للعرب".
سلام
المداخلة الاولى كانت للمهندس عاصم سلام الذي
استهل بالقول: "يختلف كتاب سمير
قصير هذا عن بقية الكتب التي تتناول تاريخ بيروت.
انه قصة حب عن بيروت رغم
المعلومات الكثيرة والكم الكبير من التوثيق
الموجود فيه (...) للمرة الاولى في
العالم العربي، يتطرق باحث الى تاريخ مدينة بهذه
الشمولية التي تطال الجوانب
السياسية والثقافية والدينية والعمرانية
والاقتصادية...".
وانطلاقا من خبرته في
حقل الهندسة المعمارية (كان نقيبا سابقا
للمهندسين)، ركز سلام في مداخلته على
"التطور
المعماري والمدني" الذي تناوله قصير في مؤلفه،
منوها بتشديد المؤلف على
الناحية العمرانية "كانعكاس للتطور الثقافي
والاجتماعي للمدينة"، وبعمق البحث الذي
اجراه في الشؤون العمرانية.
ثم تحدث عن المراحل الثلاث لتاريخ بيروت كما رواه
قصير: المرحلة العثمانية، مرحلة الانتداب، مرحلة
الاستقلال، مسطرا تمدد المدينة
المعماري في كل مرحلة.
ثم اورد سلام "امورا غفل عن ذكرها سمير قصير"
كالاذى الذي
لحق بوسط المدينة من جراء اعادة اعمارها.
العويط
المحطة الثانية في الندوة كانت مع الشاعر الزميل
عقل العويط الذي وصف سمير قصير
بـ"كاهن بيروت". وقال ان "المقاربة الثقافية
والنقدية المفتوحة، في بعض لحظة،
تأخذني الى القول بان "تاريخ بيروت" هو رواية
الحاضر بقلم روائي، بقدر ما هو تاريخ
الماضي بقلم مؤرخ".
واضاف: "هي كتابة تاريخية، لكن، كيميائية ايضا،
بما تتطلبه
الثقافة الكيميائية من تعدد، ومن اختلاط، ومن
ذوبان، ومن ولادات مختلفة. وهذا لا
يكون الا باجتماع الماضي والحاضر، الفرد والجماعة،
العقل والخيال، والواقع
والحلم.
اجتماع ليس لتغيير فكرة الاجماع الذي قد تستلزمه
العملية التأريخية.
وليس لاصطناع البرهان، انما للتوليد والاختراع
والبحث عن عناصر غير مرئية في
الواقعة التاريخية نفسها. وهذا لا يكون الا بمخض
الزمن واختباراته وتراكماته ورؤاه
ونظراته، بقصد تأريخه ايضا، ابتداء من الآن ورجوعا
الى الماضي، لا ابتداء فحسب من
الماضي وصولا الى هذا الراهن
(...)".
اده
اما كارلا اده فتمنت في مستهل مداخلتها "لو تكثر
المؤلفات المماثلة لكتاب "تاريخ
بيروت" ليتصالح القراء مع الكتب العلمية".
وبعدما اوردت ملاحظات على اخطاء في
الترجمة و"هفوات صغيرة لم تنقص شيئا من قيمة
الكتاب"، لخصت اده ابرز الحقبات التي
تناولها الكتاب، وخلصت الى القول: "بيروت هذه،
رُسمت في زهوها وشقائها، هل هي فقط
بيروت سمير قصير؟ الى حد ما، نعم. فبفضل ممارسته –
وممارسة آخرين – لها في الحياة
والموت، لن يُنكر احد اليوم ان بيروت "مدينة عربية
متوسطية منفتحة على الغرب
(...).
ولكن البُعد اللبناني يجب الا يُنسى: من المفروض
ومن الممكن ادخال هذا البعد من
مجموعة الهويات المتعددة التي تعرف بها بيروت، دون
اعتماده حصريا طبعا. بما ان
بيروت لبنانية ايضا، على اللبنانيين انقاذ
عاصمتهم، ولم يتبق لهم الكثير من
الوقت.
مرة اخرى، بيروت على مفترق طرق. فلنقرأ تاريخ
بيروت، الذي كتبه سمير قصير
وآخرون، ولنفكر معا بالمنعطف الجديد الذي ستأخذه
المدينة. وان كانت الخلافات
تهددها، ليس من الضروري ان تحكم عليها بالاعدام
(...)".
بيضون
اما الكلمة الختامية فكانت للشاعر عباس بيضون الذي
اعترف بانه حين وصلته النسخة
الفرنسية من الكتاب، أجّل قراءته قائلا في نفسه:
"هذا كاتب شاب ويستطيع ان ينتظر
(...)
ما كان في ظني انه كتاب الوداع ولا خطر لي اني بعد
وقت سأنظر اليه بتهيّب كما
لو كان مدفنا رمزيا".
وتعليقا على الكتاب، قال: "ما نقرأه في تاريخ
بيروت بعيد
عن مدرسية تواريخنا الغالبة التي توكل للموت ان
يكون راوية وناطقا. تاريخ بيروت هو
ككل ما كتب سمير قصير مكتوب بشغف. ومؤلفه صاحب
شغف. انه لا يخلع جلده ولا جسده ولا
صوته ولا قلبه او عقله حين يكتب، فالكتابة بما في
ذلك التواريخ هي اصطدام جسدي عقلي
روحي".
واضاف: "لنقل ان "تاريخ بيروت" هو مرافعة عن المثل
التحديثي في الشرق
كله. شغف سمير قصير يغلبه هنا فهو يقدم بيروت
امثولة للعالم العربي ولبلدان الشرق.
لكن النموذج التحديثي متفاوت والبقاء عنده جعل في
الغالب الجانب المقابل من الحياة
البيروتية في الظل، مع ذلك فان تاريخ بيروت هو
تاريخ التشابك والتفاعل والمحاكاة،
وهذه تعني ان بيروت على هذا المستوى قادرة على ان
تقدم تاريخا وتقدم نموذجا وتقدم
تجربة جامعة".
لم تنته هذه الندوة كما كل الندوات، فلسمير قصير
اسلوبه الخاص
ولمحبيه ايضا. فقد خرج الجميع من مكتبة "البرج"
وفي ايديهم ورود حمر حملوها الى
المحتفى به وبكتابه، سمير "البرونزي" القابع هناك
الى جانب الكتب، الى جانب
الجريدة، الى جانب ساحة الحرية...
|