|
تتعرض
حرمة بيروت منذ اسابيع الى الانتهاك عبر تعطيل
قلبها وشل حركتها، لكن
المدينة تعاند وتواجه سعياً حثيثاً الى تغيير
موقعها ودورها وطبيعتها، من مدينة تضج
بالحركة والحياة الى ما يشبه الصحراء القاحلة. من
مدينة أهمّ ما يميزها، تنوعها
واحتضانها الوطن بتعدديته واختلافاته الى ثكنة
مقفلة فكرياً وحضارياً الا على فئات
لا تعترف الا لذاتها بالحق في الوجود. من مدينة
الانفتاح الحضاري والتعدد الطائفي
الى مدينة الانغلاق والتشنج الطائفي والمذهبي. تئن
بيروت اليوم وتتألم من تلك
الصيحات والاهازيج التي يطلقها المخيِّمون في
وسطها، وقولهم انهم تمكنوا اخيراً من
"احتلال
العاصمة"، وهو تعبير لم يسمعه اللبنانيون سوى من
الاحتلال الاسرائيلي عام
1982.
يبدو ان حسابات يراد تصفيتها مع هذه المدينة التي
صمدت ثلاثة اشهر في وجه
الحصار الاسرائيلي لها ففضحت بصمودها كل الانظمة
العربية التي لم تستطع ان تقف في
وجه جيش العدو الا اياماً محدودة. هكذا شكلت بيروت
ولا تزال عقدة نقص ومصدر حقد
عليها، فهي ترمز الى الحرية والانفتاح والنهضة
الثقافية، وكانت الى أمس قريب، ولا
تزال، موئل المضطهدين من سياسيين وكتّاب وشعراء،
وتجسد الحياة والحب والصخب. هذه
المدينة التي شكلت علة الكيان اللبناني، يكرّمها
اليوم الشهيد
سمير قصير بكتاب
عن
تاريخها سبق ان اصدره عام 2003 باللغة الفرنسية،
وتصدره الآن "دار النهار" باللغة
العربية، ترجمة ماري طوق، ليشكّل واحداً من عناصر
الدفاع عن المدينة والتعريف بها
ضد أي قولبة لها أو تغيير لمسارها التاريخي.
على امتداد ستمئة صفحة، يقدم سمير
قصير سرداً وافياً لتاريخ بيروت، القديم منه
والحديث، فيحلل عوامل نهوضها وتطورها
في كل مرحلة من المراحل التاريخية. يرى ان المفتاح
لإدراك كنه تطور المدينة، يعتمد
على فهم العلاقة المترابطة بين العوامل الداخلية
والخارجية والتفاعل بينهما، ذلك أن
الخارج شكّل منذ التاريخ القديم، في تلاقحه مع
القوى الداخلية، عوامل نهضة المدينة،
وفي القرون الاخيرة شكلت العلاقة مع الغرب عنصراً
رئيسياً في بلورة كينونة المدينة
وحداثتها.
كانت المدينة منذ القدم ملجأ على ساحل المتوسط
ومورد السفن في آن
واحد. سمّيت "أم الشرائع" نظراً الى مساهمات مدرسة
الحقوق ايام الرومان في صوغ
التشريعات القانونية التي بنيت على اساسها اوروبا
المعاصرة. تعرضت لانواع من
الاحتلالات لكنها افادت مما هو ايجابي منها. خضعت
لحكم الصليبيين والمماليك الذين
طوّروا مرفأها، كما عانت صراع العثمانيين
والمصريين والتدخل الاوروبي فتعرضت لقصف
السفن الروسية عام 1773. منذ القرن الثامن عشر،
تعيش مرحلة تطور ناجم عن علاقة خاصة
بالغرب الذي كان يشهد ثورة صناعية، فساعد ذلك في
توسيع مينائها البحري ليستقبل
السفن التجارية. احتضنت قسماً واسعاً من سكان
الجبل النازحين خلال الحرب الاهلية
عام 1860، والآتين من دمشق، فأدى ذلك الى زيادة
سكانها وتنوع انتماءاتهم الطائفية.
تحولت بيروت خلال فترة زمنية غير طويلة الى مدينة
تحمل كل مكوّنات المدن وخصائصها،
مما جعل السلطات السياسية الاوروبية تختارها لتكون
مقراً لبعثاتها الديبلوماسية.
أدى التزايد السكاني والانطلاقة الاقتصادية
والتنظيمات الادارية الى تغيير وجهها،
ساعد في ذلك افتتاح شبكة الطرق وبناء السكة الحديد
وازدهار صناعة الحرير وتجارته مع
الغرب، ودخول الرساميل الاجنبية وانشاء بنوك
لبنانية مختلطة، مما تسبب في تكوّن
طبقة من رجال الاعمال المحليين. لكن النتيجة الأهم
لهذا التطور كانت في تحول
المدينة الى مجال مفتوح للعلاقات الاجتماعية
والتنوع السكاني والتعدد الطائفي الذي
يشهد له الانتشار الواسع للصروح الدينية وسط
المدينة. كرّس هذا التقدم والتحول موقع
بيروت المتميز ففرضت نفسها عاصمة للكيان اللبناني
قبل أن يولد بشكل رسمي عام 1920،
مما جعل استحالة الحديث عن لبنان من دون أن تكون
بيروت اساساً فيه.
يعدّد سمير
قصير الادوار التي اضطلعت به بيروت في جميع ميادين
الحياة اللبنانية منذ مطلع القرن
العشرين حتى نهايته. واجهت الحكم العثماني وتعرضت
للقمع السياسي والمادي وقدمت
شهداء في سبيل الحرية والاستقلال. تحولت بيروت الى
مدينة كوسموبوليتية، بعدما تكرست
رسمياً عاصمة للكيان في ظل الانتداب الفرنسي،
وجهدت في توظيف التحديث الفرنسي في
نهضتها وتقدمها. لعبت دوراً مركزياً في معركة
الاستقلال اللبناني عام 1943 فشهدت
شوارعها تظاهرات صاخبة جمعت مختلف فئات الشعب
وطوائفه من رجال ونساء على السواء.
منذ مطلع الخمسينات، باتت بيروت حلقة مركزية في
السياسة الدولية والاقليمية
والعربية، وتحولت الى "احدى الخواصر الضعيفة للحرب
الباردة". التقت على ارضها
صراعات الحركة القومية بمدّها الناصري ومشاريعها
الوحدوية في صراعها مع المشاريع
الاستعمارية في المنطقة، وتلفت نتائج الانقلابات
العسكرية والتحولات الاجتماعية في
بعض البلدان العربية، فاحتضنت الهاربين والمنفيين
من رجالات السياسة العرب
والاجانب، وكانت مركزاً تدار منه سياسات اجنبية
واقليمية مما جعلها محور
الاستقطابات في المنطقة وملتقى الجنسيات. تعايشت
فيها الاضداد والانقسامات التي
ميزت الحياة السياسية اللبنانية بأحزابها
وتياراتها، لكنها ظلت ترمز الى وحدة
الوطن. ترعرع اليسار اللبناني فيها ونما دوره في
ظلها، كما كانت موئل اليسار العربي
ايضاً، وهذا ما تسبب لها بعداءات الانظمة العربية.
احتضنت المقاومة الفلسطينية
وادخلتها في صميم الصراعات اللبنانية الداخلية مما
عمق الانقسام اللبناني. كانت
العاصمة الوحيدة التي اجتاحها الاحتلال الاسرائيلي
فلم تستسلم رغم حصارها الطويل،
بل قاتلته فاضطر الى الانسحاب سريعاً. ظلت بيروت
في كل مراحل تاريخها الحديث عاصمة
السياسة ومركز الحيوية والتعبير عن الصراعات
السياسية والاجتماعية الصاخبة التي
عرفها لبنان، وظلت تنبض بالحياة رغم كل المحن
والمصاعب التي واجهتها.
لا تنفصل
بيروت السياسية عن بيروت النهضة الثقافية. بدأت
مساهمتها في النهضة العربية باكراً
من خلال رواد لها مثل احمد فارس الشدياق وناصيف
وابرهيم اليازجي وبطرس البستاني
ومحمد ارسلان ويوسف الأسير وغيرهم. استقبلت حصيلة
التدخل الغربي الى المشرق من خلال
الارساليات التي ساهمت في فتح الجامعات والمدارس،
فتكونت نخبها بصورة مبكرة، وشهدت
طفرة في انتشار التعليم بعد الاستقلال الذي طاول
جميع المناطق، فتوسعت الجامعات
والمعاهد ودخلت اليها جميع الاختصاصات من دون
استثناء. تعززت هذه النهضة بازدهار
المطابع ودور النشر والمكتبات ومراكز المسرح
والفنون الجميلة، فعرفت بيروت جميع
انواع النشاطات الثقافية من دون استثناء، وتواصلت
مع الثقافات الاجنبية بشكل واسع،
وساهمت في انتاج ثقافة تجاوزت المساحة المحلية الى
مجمل لبنان والعالم العربي،
وقاربت العالمية بشكل فعلي، وتميزت بأنها شكلت
طليعة النقاش الفكري والسياسي
للثقافة العربية السائدة وخصوصاً بعد هزيمة 1967.
احتضنت الادباء العرب وباتت ملتقى
المضطهدين من مفكري المنطقة، ومثلت طليعة الحداثة
الفكرية والادبية والشعرية
والفنية في لبنان والعالم العربي على السواء،
وكانت في الآن نفسه ميدان الصراعات
المحمومة التي تسببت بها هذه الحداثة.
ترتبط بيروت السياسية والثقافية برباط
وثيق ببيروت الاعلامية والصحافية. فمنذ مطلع القرن
العشرين شهدت المدينة انتشاراً
للصحافة على جميع المستويات، وساعد النظام السياسي
الضامن حداً معقولاً من الحريات
السياسية في تكوّن صحافة قادرة على ابداء الرأي
الحر وممارسة النقد، فلعبت الصحافة
اللبنانية دوراً اساسياً في الصراعات اللبنانية،
الا ان دورها الاكبر كان التأثير
في صراعات المنطقة العربية وتحولاتها. كانت
الصحافة اللبنانية الرئة التي تتنفس
منها قوى التقدم العربية في مواجهة الاستبداد
العربي، فنالت نصيباً كبيراً من
الهجوم عليها وتعرض رجالها للاغتيال ومؤسساتها
للتدمير. على رغم ازمان القمع
والاضطهاد قبل الحرب الاهلية وفي ظلها وبعد
الهيمنة السورية على البلاد، ظلت
الصحافة اللبنانية تمارس دوراً متميزاً في
المواجهة والتمرد. لا تعرف مدينة عربية
هذا الحجم من المؤسسات الصحافية، السياسية منها
وغير السياسية، كما تعرفه مدينة
بيروت، كما لا تسمح عاصمة عربية للصحافة الاجنبية
بالدخول الى اسواقها كما تعرفه
بيروت. وعندما شهد الاعلام ثورته المرئية، لم
تتأخر بيروت، فكانت السباقة في العالم
العربي الى ادخال هذه الثورة والافادة منها.
وترتبط هذه النهضة المتعددة الجانب
لبيروت بتطورها الاقتصادي. ذلك أنها افادت خلال
القرن التاسع عشر والنصف الاول من
القرن العشرين من علاقتها بالغرب وخصوصاً في ميدان
التجارة، لكن نهضتها الاقتصادية
الفعلية أتت نتيجة علاقتها بالعالم العربي
والتطورات التي شهدها. بعد نكبة فلسطين
1948
تحول مرفأ بيروت بديلاً من مرفأ حيفا مما زاد من
نشاطه ودوره الاقتصادي،
وانتقلت اليها الرساميل الفلسطينية، وساعدت سياسة
التأميمات في بعض البلدان العربية
في تحول ثروات عربية هاربة الى المصارف اللبنانية،
وانصباب قسم واسع من اموال النفط
في البنوك والاستثمارات اللبنانية. أفادت المدينة
ايضاً من القطيعة الجمركية مع
سوريا التي ساهمت في تركيز نظام اقتصادي حر
لاستثمار كل هذه التحولات. وترافق ذلك
كله مع طفرة في تطور وسائل النقل البحرية والجوية
والبرية وتوظيف التقدم التقني في
مجال الكهرباء، بما جعل بيروت حلقة الوصل المحلية
بين الغرب الرأسمالي والسوق
العربية. نجم عن هذه التطورات تحوّل بيروت الى
نقطة مركزية للاقتصاد العالمي ومحطة
ودائع البلدان العربية وملتقى رجال الاعمال على
المستويات الاقليمية والدولية
والمحلية.
ولّد التطور الاقتصادي طبقات وفئات اجتماعية
متعددة، فقد شهدت طبقة
الاثرياء توسعاً مقابل اتساع اكبر للفئات الشعبية
الفقيرة، فتكوّنت احزمة بؤس حول
المدينة فاقمت الصراعات الاجتماعية في البلد
وانفجرت لاحقاً اضطرابات سياسية اتخذت
طابعاً عنفياً.
من الطبيعي ان ينعكس هذا التطور المتعدد البعد
للمدينة على نمط
الحياة والخدمات فيها، فأدى النزوح من الريف الى
المدينة والتمركز الاجنبي فيها الى
جعلها مدينة مزدوجة الانتماء، المحلي منه
والعالمي. لذا عرفت ولا تزال كل انماط
الحياة والسلوك وفق طبيعة قاطينها ونوعيتهم. وقد
مكّنها احتواؤها جميع الطبقات
والفئات الاجتماعية والطوائف من أن تكون ذات
خصوصية استثنائية بين المدن اللبنانية،
حيث يعثر الواحد فيها على العادات والتقاليد
اللبنانية العائدة لبيروت أو لسائر
المناطق، كما يعثر فيها على انماط الحياة الاجنبية
لأهم المدن العالمية مثل باريس
ولندن ونيويورك. اما على صعيد الخدمات، فيندر ان
تجد مدينة في الشرق الاوسط تحوي
هذا الكم اللامحدود من الخدمات المتمثلة بالمؤسسات
السياحية من مطاعم وفنادق ومقاه
واماكن لهو، اضافة الى الشبكات السينمائية
والمسارح ونوادي الرياضة والاماكن
المخصصة للنشاطات الثقافية والفنية. هذا اضافة الى
كل انواع الموضة الاجنبية
واستخدام ما ينتج من سيارات في العالم. ويرى سمير
قصير ان المدينة المتصفة بالحياة
والحركة والصخب، اصابتها انتكاسة مع اندلاع الحرب
الاهلية عام 1975، لانها كانت
محور الصراعات الاهلية والاقليمية، فتجسدت
الانقسامات في اعلى درجاتها عبر انقسام
المدينة بيروتين، شرقية وغربية، تحمل كل منهما
مشروعها السياسي الخاص. واخطر ما
ولّدته الحرب الاهلية في بيروت هو التشكل الجديد
للمدينة الذي يحاول ان يضفي على
احيائها صفاء طائفياً أو مذهبياً ويؤسس لانماط
جديدة في الحياة ومفاهيم في الثقافة
والقيم تنهض على القوقعة داخل الطائفة والذات
وترفض الآخر، بل تسعى الى القاء القبض
على مكوناته.
قبل غيابه، كان سمير قصير شاهداً على التحولات
القسرية التي تجري
لتغيير معالم المدينة السياسية والثقافية
والعمرانية، وعلى المحاولات الدؤوبة
لالغاء دور العاصمة كمركز توحيد للبلاد لمصلحة
مراكز الاستقطابات الطائفية. لا تزال
هذه المحاولات تسير حثيثاً اليوم، فإذا نجحت في
تهميش العاصمة او الغاء دورها، تكون
حققت موتاً محتماً للمدينة لتقوم على أطلالها
بيروت أخرى متشحة بالسواد
والكآبة.
|