|
نظمت جامعة ليون ندوة حول فكر
سمير قصير
وقضايا النهضة العربية بمشاركة
زياد ماجد وميشال جورجيو وفاروق مردم
بيه وشريف فرجاني وعدد من الباحثين الأكاديميين
والطلاب والمهتمين.
استهلت الندوة بعرض مقتطفات من مقابلات أجريت مع
سمير قصير حول الحرية الصحافية والالتزام السياسي.
ثم تطرقت الجلسة الأولى الى إنتاج سمير قصير
الثقافي ومواقفه السياسية. فعرض الصحافي اللبناني
في جريدة لوريون لو جور ميشال جورجيو لتجربة قصير
الصحافية والتعليمية وكتاباته الأكاديمية ولرحلته
بحثاً عن نهضة عربية جديدة تستلهم أحمد فارس
الشدياق وتعيد الاعتبار للحرية والعدالة ولعلاقة
الفكر بالنشاطية. وقال جورجيو إن قصير في انتمائه
الى لبنان وسوريا وفلسطين وفرنسا وتوقه الى التحرر
من الاستبداد والاحتلال وبحثه عن العلمنة
والديمقراطية وحرية الإنسان في العالم العربي
وتأريخه للحرب اللبنانية ولمدينته بيروت تخطى
الخطوط الحمر وكان رائداً في الفكر والعمل من أجل
ربيع عربي ينطلق من بيروت، ليعانق دمشق وسائر
المدن العربية.
وتحدث بعد ذلك نائب رئيس حركة اليسار الديمقراطي
زياد ماجد فاعتبر إن قصير كان منذ تشكل وعيه
السياسي على حافة مفارقات عديدة: فهو إبن الاشرفية
اليساري في لحظة حرب اهلية تعادي فيها جغرافيته
الاجتماعية ميله السياسي، وهو الأرثوذكسي العلماني
والفرنكوفوي العربي الانتماء والمعتنق القضية
الفلسطينية، وهو أيضاً السوري الباحث عن الحرية
التي صادرها القمع البعثي في لحظة تأجج العواطف
اللبنانية بعيداً عن أي هوى دمشقي. وقال ماجد إن
قصير كان من أوائل المثقفين الذين صالحوا عروبتهم
بلبنانيتهم، ويساريتهم بانحيازهم الحاد للحرية
وفضائل الديمقراطية، وهو كان في الكثير من مقالاته
استشرافياً، متخطياً كل رقابة مخابراتية أو ذاتية،
مستخدماً لغة واضحة في مفرداتها تزاوج في أسلوبها
الثقافتين الفرنسية والعربية. ورأى ماجد أن ولع
قصير ببيروت عكس مدينيّته وعلاقته بالبحر، وأن
حنينه المضمر الى اسطنبول مرتبط بقراءته للتجربة
العثمانية ولما كان يمكن أن تحمله لو حدّثت من
احتمالات تطور كبير، لافتاً الى جانب فني اجتماعي
في ثقافة قصير عبّر عنه في مجلة لوريان أكسبرس وفي
كتابه حول ملصقات السينما المصرية.
الجلسة الثانية تناولت كتاب قصير "تأملات في
الشقاء العربي"، وتحدث فيها كل من الأساتذة في
جامعة ليون جوزف ديشي وميشال كورناتون وجوزف ميريي
وداخل فيها فاروق مردم بيه وزياد ماجد وميشال
جورجيو، عارضين أبرز ما في الكتاب من اعتبار أن
العرب ليسوا محكومين بالتخلف وأن خروجهم من الشقاء
يتطلب نهضة جديدة بعيداً عن الاستسلام "لفكرة
الضحية" التي يتخبطون فيها وأن التحديات الكثيرة
اليوم ليست بالضرورة نتاج التاريخ العربي وفكره
بقدر ما هي بسبب جغرافيا العرب وما تسبّبه من
صراعات تلتهم الفرد وتُستخدم كمبرر لعصبيات
الجماعات واستبداد الأنظمة.
أما الجلسة الثالثة والأخيرة، المنعقدة تكريماً
لقصير حول فكر النهضة، فتحدث فيها الباحث والاستاذ
الجامعي شريف فرجاني عن قضية الإسلام والعلمنة
والعلاقة بين الدين والتوظيف السياسي له، مستعيداً
كتابات الطهطاوي والأفغاني وعبده وعلي عبد الرازق
والكواكبي خالصاً الى أن الإسلام لا يشكل استثناء
في علاقته بالدولة، وأن العلمنة لا تناقض أسسه،
وأن تأويل بعض المصطلحات مثل "الأمة" و"الشريعة"
على يد الكولونيالية (في الجزائر بخاصة)
والمستشرقين (برنارد لويس بالدرجة الأولى) ساهم في
تأسيس منظومة فكرية تعتبر أن للإسلام خصوصية في ما
يتعلق بالدولة والمجتمع وأن لا إمكانية لفصل الدين
عن الدولة فيه، في حين أن الإسلام كالمسيحية
واليهودية يرتبط تأويله وتوظيفه سياسياً بالسلطات
القائمة وبتوازنات القوى الاجتماعية ومصالحها.
المتحدث الأخير كان المؤرخ والكاتب السوري فاروق
مردم بيه، الذي بدأ بتحية صديقه قصير، وقدم قراءة
في تجربة النهضة ومآلها، مستعرضاً أبرز العوامل
التي أدت الى قيامها، بدءاً بالتحديث الإداري
وافتتاح المدارس الحديثة في السلطنة العثمانية كرد
فعل على الهزائم العسكرية، مروراً بدور البعثات
التعليمية الغربية، وقيام الصحافة وتطور الترجمات
وإحياء اللغة العربية على يد بطرس البستاني وناصيف
اليازجي وأحمد فارس الشدياق. وتحدث مردم بيه عن
تجربة محمد علي في مصر، وكتابات الطهطاوي حول
أسباب تقدم الغرب، ومن ثم مواقف الأفغاني وعبده
وفرح أنطون وشبلي الشميل التي عبرت عن حيوية
وانفتاح وقبول بتبني كل ما هو "أفضل مما عندنا" من
دون عقد ثقافية أو دينية. وقال مردم بيه إن النهضة
لم تجهض مع انقلاب رشيد رضا على معلمه عبده كما
يعتبر البعض، فأعمال علي عبد الرازق وطه حسين
والكثير من الكتاب والباحثين من بعدهم استمرت في
نفس نهضوي، وهذا النفس ما زال الى اليوم موجوداً
في مؤلفات العديد من المفكرين الإسلاميين
والسياسيين. إنما ما أجهض حركة النهضة عامة
ومناخها، هو عمق التحولات السياسية التي جرت بعد
هزيمة العام 1967، وقيام مثلث يجمع إسرائيل
والسياسات الأميركية في المنطقة من جهة، وأنظمة
الاستبداد العربي من جهة ثانية، وحركات التطرف
الإسلامي الظلامية من جهة ثالثة. وخلص مردم بيه
الى القول إن استعادة النهضة وروحها تتطلب الخروج
من هذا المثلث الجهنمي.
وفي ختام الندوة، كان تأكيد على ضرورة تنظيم
لقاءات مشابهة وفاء لذكرى سمير قصير ولما أسّس له
في سيرته الشخصية وفي التزامه السياسي وفي عمله
الأكاديمي، وكانت دعوة أيضاً الى متابعة التحقيق
في اغتياله والإصرار على معاقبة المجرمين الذين
اغتالوه. |