النهار  14-01-2006

"تـأمـلات فـي شـقـاء العـرب" لســمــيـر قــصــيـر
أن يُقـــتَـل كـاتـبٌ بـتــهــمــة الـحـريـــة

ماهر شرف الدين

إذا كان الموت قد أضفى طابع الوصية على نص أراده صاحبه تأسيسياً، كما يذهب الياس خوري في تقديمه لكتاب "تأملات في شقاء العرب" لسمير قصير، الصادر حديثاً في نسخته العربية (ترجمة جان هاشم) لدى "دار النهار"، فإن مفارقة العلاقة بين كتابة التاريخ وصناعته تكمن هنا بالضبط: بينما كان سمير قصير يبحث عن بداية تواصل الفكر التنويري الذي صنعته النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، قاده الشقاء العربي إلى نهايته المأسوية.

الكتاب الذي يحلل الشقاء العربي، عبر إعادة تقويم عصر النهضة العربية، يرى أن "خصوصية" هذا الشقاء تنبع من كونه يضرب فئات لا يطاولها الشقاء في المجتمعات الأخرى: شقاء يتجلى في المفاهيم والمشاعر أكثر من تجلّيه في الأرقام. أيضاً، هو شقاء ذو "اكتفاء ذاتي"، لجهة أنه لم يعد في حاجة إلى مقاييس أو معايير خارجية (بلغ العجز لدى البعض مبلغاً جعلهم يقيسون موازين القوى في الصراع العربي - الإسرائيلي على أساس الفروق الديموغرافية بين العرب واليهود) : شقاء يتغذى من البكاء على أطلال أمجاد سابقة، وقياس الذات بمرجع معياري تاريخي مقتطع من زمن آخر. ناهيك بأن أولئك الذين يغتبطون بصعود بعض الحمية القومية جراء الاحتلال الأميركي، يدركون استحالة الرهان على ميزان القوى المحلي أو الإقليمي. أكثر من ذلك يراهنون على قدرة المجتمع الخصم نفسه (الديموقراطي والمكتفي في آن واحد) على ردّ الفعل: لقد صنع التفوق الإسرائيلي، المكوّن الأساسي لنظرة العرب إلى أنفسهم والعالم، نموذجَه في حصار بيروت صيف 1982. فالطريقة التي تم بواسطتها الحصول على مهلة من أجل إعادة تزويد بيروت الماء، جسّدت العجز العربي في "أبهى" صوره: بعد إلحاح من بعض الشخصيات اللبنانية، اتصل الملك السعودي بالرئيس الأميركي طالباً منه التدخل لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي كان يستجيب مرة ويرفض أخرى. لقد شكلت هذه الاتصالات الهاتفية صورة مجازية لحال الديبلوماسية العربية (ديبلوماسية الماء والطعام!) إزاء صراع مصيري كالصراع العربي - الإسرائيلي. لطالما تميزت نظرة العرب إلى فلسطين (الجوهرة في تاج العجز العربي)، أكثر منها نظرة الفلسطينيين أنفسهم، بطابع "المطلق" - هنا يستطلع سمير قصير تجليات العجز في المقاومة - فلئن كانت الحركات الفلسطينية مسؤولة، في الستينات، عن منحنى "حرب العصابات الشاملة"، فإن صنّاع الرأي في الدول العربية هم الذين فرضوا منحى "الانتفاضة الشاملة" (منذ التمرد الكبير من العام 1987 حتى العام 1989) إلى درجة أن الأمر انتهى إلى اعتبار الشعب الفلسطيني مكوّناً بأكمله من ثوريين محترفين. "لم يكن من شأن مقاومة اللبنانيين أو الفلسطينيين، يقول سمير قصير، إلا إبراز حال العجز العامة، وهذا ما تؤكده يوماً بعد آخر الانتفاضة الثانية التي انطلقت شرارتها في أيلول 2000. منحى الانتفاضة الشاملة يعني أن إجراء أي جردة حساب يستدعي الاتهام الفوري بالخيانة، ولاسيما أن تحويل الانتفاضة إلى وثن، بدءاً بالمبالغة في تعميم النموذج اللبناني، يحول دون البحث في الوسائل، ويقود إلى تفضيل الباهر على الناجح، كالعمليات الانتحارية". أكثر من ذلك، لم تستطع أسلحة النضال الفلسطيني، رغم نجاحها النسبي في تحريك مشاعر العزة المفقودة في أوساط الرأي العام، تبديد هذا الشعور بالعجز. بل على العكس من ذلك، كان من نتائج الخلط القائم بين فلسطين والعراق أنه أغرق الصورة التي كوّنها العرب عن أنفسهم، والصورة التي كوّنها العالم عنهم، في بحر هائل من الدم.

يبقى أن ما فات سمير قصير من علامات الشقاء العربي في كتابه هذا، استدركه استشهاده، حين قال الياس خوري في مقدمته: أن يُقتل كاتب بتهمة الحرية.  

 
      ثقــافـة