|
لم يكن الرئيس
المصري حسني مبارك يتقصّد اي سوء حين عيّن
شرم الشيخ مكاناً للقائه الرئيس السوري بشار
الاسد قبل ثلاثة ايام. فهو فعل ذلك لأنه
يقيم معظم وقته في هذا المنتجع حيث دأب على
استقبال زواره حين يكونون في زيارة خاطفة (وباعتبار
ان اجراءات الحماية فيه اسهل منها في
القاهرة)، ولم يكن يرمي في جميع الاحوال الى
احراج نظيره الشاب امام اصحاب النيات السيئة
الذين استوقفهم ولا ريب ان تكون شرم الشيخ
مسرحاً لتنازلين سوريين مهمين خلال اسبوعين
متتاليين.
لم يكد يجف
الحبر عن توصيات مؤتمر شرم الشيخ حول العراق
والتي كانت مناسبة لتخلي الحكم السوري،
المشارك في المؤتمر بشخص حارس هيكله وزير
الخارجية فاروق الشرع، عن لغته المعهودة في
الشأن العراقي وتبنيه الاعلامي لمنطق
المقاومة حتى آخر عراقي، حتى جاء اللقاء
الثنائي بين الرئيسين المصري والسوري ليؤكد
حقيقة ما كان كشفه مبعوث الامم المتحدة تيري
رود - لارسن حول تراجع دمشق عن موقفها
السابق من مسألة معاودة المفاوضات مع
اسرائيل. وكما لو ان ذلك لا يكفي لاظهار
رغبة المتبقي من البعثَين في تحسين سلوكه في
عيون الولايات المتحدة، اضيف الى التنازل في
موضوع المفاوضات تنازلاً ثانياً (بل ثالثاً
اذا تذكرنا العراق) ، وهو اكثر راهنية
باعتباره يتصل بالقرار 1559 المتعلق بلبنان
والذي يبدو ان دمشق قررت مقاربته بواقعية
مستجدة.
صحيح ان هذين
التنازلين لا يقر بهما الحكم السوري، او
لنقل انه يريد الايحاء بالتنازل من دون
تبنّيه في العلن. والحق انه ليس من السهل
التخلي فجأة عن قاعدة "تعا ولا تجي" التي
صارت سمة نظام ما بعد حافظ الاسد، وان يكن
ثمن هذا الترجح في هذه الحال جفاءً اخوياً
مع القاهرة ومجافاة لحقيقة ما حصل في شرم
الشيخ. فأياً يكن هامش التأويل في ما قاله
الناطق باسم الرئاسة المصرية اثر هذا اللقاء،
وما عاد وأكده في احاديث غير رسمية مع زملاء
مصريين، وأياً يكن الاصرار السوري على
الاحتفاظ بالالتباس في ما يتعلق بـ"وديعة
رابين"، فقد بات واضحاً ان دمشق تعطي
الاولوية لكسر عزلتها الديبلوماسية، لكنها
لا تعرف كيف تفعل ذلك. فلا عجب بعد ذلك ان تكون
المحصلة تخبّطاً ما بعده تخبّط. لا عجب ولا
ضير ايضاً من وجهة نظر الحكم السوري: فما
يريده من التلويح بهذا الموقف الجديد او ذاك
ليس جديد الموقف في ذاته، بل الاعلان انه
صار في حال جهوزية كاملة لتقديم تنازلات الى
الولايات المتحدة املاً في استرضائها، مثلما
فعل الاسبوع الماضي في المسألة العراقية.
هذا هو ربما
معنى شعار "العروبة اولاً" الذي رفع على عدد
من اللافتات خلال تظاهرة "الوفاْء لسوريا"
التي رعتها الحكومة الكرامية في لبنان
ونظّمها حزب التلازم وحشدت لها الاجهزة
المخابراتية والامنية من دون ان تفلح.
تنازلات على المستوى الاقليمي تُقدَّم الى
الادارة الاميركية (هي نفسها التي يحشد
المتظاهرون في بيروت ضدها)، ولا تنازل واحداً
للشعب اللبناني الشقيق.
نضع جانباً
حجة وزارات التوجيه القومي القائلة بأن
تظاهرة حزب التلازم، رغم تقزيمها من المليون
المشتهى الى مئة الف، تثبت انه لا يمكن
التحدث عن اجماع لبناني ضد الهيمنة السورية.
فحتى بالافتراض ان كل عديد المظاهرة كان من
اللبنانيين، وان كل الذين ساروا فيها كانوا
مقتنعين بما رفع من شعارات، يبقى الاستغراب
مشروعاً، بل يصبح اكثر الحاحاً. فاذا كان لا
مفر امام سوريا من بالتنازل، أليس الاحرى ان
تتنازل الى اقرب القريبين اليها، لا ان
تحولهم شهود زور.
المشكلة في
مثل هذا التصرف ليست فقط قلة الذوق التي ينم
عنها، او بتعبير ألطف غياب الاناقة فيه.
المشكلة هي صدقية التحول السوري. فاذا كان
القصد تخريب لبنان قبل الانسحاب منه، فان
ذلك لن يسّجل في رصيد الحكم السوري، بل
العكس صحيح. اما ان تنغر دمشق بتأييد
اسرائيل بقاء قواتها في لبنان، فهذا يعني
انها لم تفهم بعد الحسابات الجديدة للادارة
الاميركية، وهي لا تلتقي واسرائيل حول هذه
النقطة تحديداً. ولعل اسرائيل والحكم السوري
يخطئان معاً اذا اعتبرا ان الجغرافيا
السياسية القديمة لا تزال اطار عمل الولايات
المتحدة، فيما يتبدى اكثر فاكثر ان الرهان
الاميركي يدور حول تغيّر النظام السوري إن
لم يكن تغييره.
وفي هذا
المعنى، فإن الرسالة الحقيقية لتظاهرة
الاستتباع هي ان الحكم السوري لم يفهم بعد
كيف يدير سياسة التنازلات التي صارت قدره.
|