|
شيء من
المرونة يضمن الكثير من الصمود. هذه ربما
اصعب المعادلات التي تواجهها القيادة
الفلسطينية الانتقالية بعد رحيل ياسر عرفات
ومن اجل افضل دفاع عن ارثه.
قد يكون
ياسر عرفات قد احجم عن تنظيم خلافته، لكن
تحديد ارثه لا يحتاج الى وصية مكتوبة، وهو
لا يحتمل اصلاً الكثير من التأويل. وفي اي
حال، لا يمكن ترك مهمة تحديد ارث القائد
الراحل الى من كان يعارض نهجه، وبالاخص الى
من سبق ان اتهمه بالخيانة. هذا لا يلغي حق
الاجتهاد لكنه يحصره بمن كان اميناً
لاجتهادات ياسر عرفات في حياته.
في الهدف
الاستراتيجي، لا لبس ممكناً. كان ياسر عرفات
ملتزماً خيار الحد الادنى الذي تبلور
تدريجاً منذ البرنامج المرحلي لمنظمة
التحرير الفلسطينية عام 1974 والذي بات
معروفاً بخيار الدولتين. ويعني ذلك اولاً ان
من لم يرتض هذا الخيار، مفضلاً المحافظة على
مشروع الحد الاقصى، اي فلسطين من البحر الى
النهر، لا يمكنه ادعاء النطق باسم ارث
عرفات، ولا التظلل به للدفاع عن برنامج
مغاير.
في تفاصيل
الحل المطلوب، اي ما يجوز اعتباره الهدف
السياسي المتوسط الامد لعرفات، لا لبس
ايضاً، اذ ثمة مرجعية عرفاتية لا يصعب
تعريفها، وهي ما امكن رصده في ستة اشهر من
عام 2000 واطلالة 2001، اي بين حدي الرفض
والقبول: رفض عرض ايهود باراك المتواضع، وان
يكن استثنائياً قياساً بالتاريخ السياسي
الاسرائيلي، خلال قمة كمب ديفيد؛ والقبول
بمقترحات كلينتون، وان بشيء من التأخير وبعض
التحفظ، وصولاً الى الحلول العملانية التي
اتفق عليها خلال مفاوضات طابا والتي ترجمت
نفسها لاحقاً، رغم بعض التخفيف، في وثيقة
جنيف غير الرسمية. اي ان قبول ما تم رفضه في
كمب ديفيد يقع خارج سياق الارث العرفاتي،
فيما القبول بما يوازي طابا لن يعد خروجاً
عليه. هذا مع الملاحظة ان ياسر عرفات كان
يمكنه، نظراً الى شرعيته التاريخية، الذهاب
ابعد بقليل من طابا في التنازل العملاني في
حين سيكون اي تنازل في غاية الصعوبة بالنسبة
الى من يخلفه ويكون ملزماً التحصّن بارثه.
في اختيار
ادوات النضال، قد يكون مجال الاجتهاد اكبر،
لكن المنطق العرفاتي لا يعصى ادراكه على
احد: جهوزية للاشتباك حين يقتضي الامر، كما
حصل في الكرامة عام 1968 وفي طرابلس عام
1983 وفي الف مناسبة اخرى، ولكن مع رفض واضح
للانتحار، كما يستدل من تجربة بيروت عام
1982. وقد اكتسبت هذه الممارسة، التي طبعها
عرفات بطباعه، المزيد من الثبات بعدما اقر
المجلس الوطني الفلسطيني، ومنذ السبعينات
ايضاً، ان الكفاح المسلح لم يعد الاداة
الوحيدة للنضال الوطني بل اضحى اداة بين
ادوات اخرى. يستتبع ذلك ان عرفات، وبعيداً
عن الشعارات التي شارك في تردادها، لم يرغب
في تغليب وسيلة نضالية على الاخرى الا
بمقدار ما تتطلبه الظروف، واذا كان قد بادر
الى انشاء "كتائب شهداء الاقصى"، او على
الاقل بارك نشوءها في خريف 2000 لاستعادة
دور "قوات العاصفة" المحلولة بموجب اتفاق
اوسلو، فإن محافظته على الكثير من المسافة
مع هذا التنظيم الجديد لم يكن مردها فقط
التنصل من التهم الاسرائيلية والاميركية، بل
استشعاره بانه سيأتي يوم تقتضي فيه المصلحة
الوطنية الفلسطينية حل "الكتائب" مثلما حُلت
"العاصفة". وبهذا المعنى، فان ارث عرفات ليس
"كتائب شهداء الاقصى"، بل القدرة على
استخدام مثل هذه الادوات، على ايجادها تارة
وانهائها طوراً، الى جانب ادوات اخرى، صونا
لمصلحة الشعب الفلسطيني لحظة بلحظة.
هنا، لا بد
من ان يضاف الى الارث الخاص لياسر عرفات ما
هو مشترك في التراث السياسي الفلسطيني، الا
وهو محظور الاقتتال، ولكن كما مارسه هو طوال
قيادته العمل الفلسطيني. فاذا كان ابو عمار
افضل من جسد رفض الاقتتال، الى حد ان هذا
المحظور هو ما كبح فيه نزعة التسلط الكامنة،
الا انه لم يفهمه كقبول بديكتاتورية
الاقلية. ولعل مغامرة العودة الى البقاع
وطرابلس التي خاضها، والى جانبه ابو جهاد،
لوقف الحركة الانقلابية داخل "فتح" وتأكيد
استقلالية القرار الفلسطيني خير دليل على
رفضه ان يكون ابتزاز الاقلية مدخلاً
للانتحار الوطني.
ليس التذكير
بإرث ياسر عرفات مجرد فعل ولاء لقائد
استثنائي رحل من دون ان يترك وصية ولا وصفة
سحرية. انه سبيل لاستباق المزايدات التي قد
تعوق هذه المرحلة الانتقالية، وسواء كانت
مزايدات "نضالية" في اتجاه التطرف او
ديبلوماسية في اتجاه التنازل. طبعاً، لا احد
يتوقع من القيادة الفلسطينية الانتقالية ان
تبادر الى تنازل خطير، حتى لو تأكدت الهجمة
الديبلوماسية الاميركية التي يحتّمها زوال
حجة وجود عرفات، بل الارجح اننا سنشهد
المزيد من التشنج من قبل هذا الفصيل او ذاك،
مما قد يعطل العملية الانتخابية وهي اليوم
الاولوية القصوى.
في ازاء
احتمالات التشدد، التي رأينا عينة منها في
غزة الاحد الماضي، لا بد من الغرف من ارث
عرفات، وخصوصاً لجهة التسلح بشيء من المرونة
امام الهجمة الديبلوماسية الاميركية ومن اجل
صمود افضل امام اغراءاتها القليلة والخادعة.
وهذا يتطلب تحديداً من القيادة الفلسطينية
الانتقالية ان تسعى الى وضع حد للفوضى
الانتفاضية المسلحة. وهي إن فعلت، فإنها لن
تكون وفية للارث فحسب، بل تكون قد نجحت في
ابقاء صاحبه حياً. |