Beirut Letter/articles/samir kassir  سمير قصير

 

النهار 29-10-2004

شاغل الـدنيا

سمير قصير

من تابع منذ يومين تغطية الاعلام الغربي، ناهيك بالاسرائيلي وبعض العربي، للمرض الذي ألمّ بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، لمس مفارقة كبيرة: فمن جهة تبخيس بدور الزعيم الفلسطيني يصل الى حد تمني استعجال موته ومن جهة اخرى متابعة تفصيلية (وان غير دقيقة) لحاله الصحية وللتداعيات التي قد تتأتى من تدهورها.

طبعاً، هناك آلية الخبر العاجل التي تتحكم، كما صارت العادة، بمحتوى الخبر، فتحتّم تعبئة الهواء وتالياً تضخيم الحدث. هذا لا يعني طبعاً ان صحة الرئيس عرفات لا تدعو الى القلق، بل قد تشكل وعكته الاخيرة، وفي ظل الحصار الاسرائيلي، مدعاة قلق على المؤسسات الفلسطينية برمتها، وان يكن جائزاً ايضاً الافتراض ان الرجل الذي نجا من سقوط طيارته في الصحراء الليبية، فضلاً عن عشرات محاولات الاغتيال الاسرائيلية والعربية، سينجح هذه المرة ايضاً في مفاجأة الذين دفنوه قبل اوانه.

ما يستوقف في التغطية الدولية لمرض عرفات هو هذا المزيج من الحدة تجاه الرجل ومن الارتباك امام احتمال غيابه. اما الحدة، فتظهر في اجترار الحجج المعروفة المتعلقة بـ افشال قمة كمب ديفيد الثانية ورفض عرض ايهود باراك السخي ، وهو العرض الذي ثبت انه لم يكن، فضلاً عن اعادة طرح موضوع الفساد مخلوطاً بمسألة تعدد الاجهزة الامنية. لكن لا شك ان ما يزيد من هذه الحدة انها تتولد ايضاً من الشعور بالارتباك امام احتمال غياب عرفات. فكأن كارهيه في اسرائيل والاعلام الغربي يأخذون عليه انه لا يزال هنا، وإن هزيلاً في وجه المرض، و انه لا يُسهّل عليهم مرحلة ما بعد عرفات.

قبل ثلاثة اعوام، قررت حكومة آرييل شارون ان عرفات اصبح خارج المعادلة ، وسرعان ما تم تعميم هذا الادعاء بين خبراء الصحافة الاسرائيلية وعدد من صناع الرأي في الغرب (حتى لا نحكي عن بعض الديبلوماسيات العربية) قبل ان يبادر الجيش الاسرائيلي الى تحقيق مقولة شارون من خلال ضرب الحصار على مقر الرئيس الفلسطيني وعزله عن العالم. وها هو الرجل الذي حكم عليه بالخروج من المعادلة يثبت، رغم اعوام الحصار والمرض، انه لا يزال الرقم الصعب في هذه المعادلة، فإذا وهن شغل الدنيا واحرج خصومه.

بالتأكيد، لحنكة الزعيم المخضرم دور في هذا الانقلاب. لكن استعصاء عرفات على الحصار والاقصاء هو، قبل كل شيء، نتيجة الاستعصاء الفلسطيني على الاحتلال والالغاء. وتأتي الترتيبات التي تم اتخاذها بعقلانية من اجل ادارة الشؤون الفلسطينية في مرحلة علاج الرئيس لتؤكد انه لا يزال في الامكان الاتكال على حس الخطر الفلسطيني، وهو يرقى الى مرتبة الحكمة السياسية، لمنع حصول الاسوأ الذي كان المحبون يتنبأون به، بل يتحرقون الى حدوثه.

العالم العربي