|
واشنطن من هشام ملحم:
جدد الرئيس الاميركي جورج بوش، في خطابه السنوي امام
مجلسي الكونغرس عن "حال الاتحاد"، تصميمه على هزيمة
"الاسلام المتطرف"، والارهاب الذي يمثله زعيم تنظيم
"القاعدة" اسامة بن لادن، وعلى نشر الديموقراطية
والاصلاح في الشرق الاوسط، على رغم النجاحات التي
احرزتها التيارات والقوى الاسلامية في الانتخابات التي
اجريت في العراق ولبنان ومصر وفلسطين.
وحذر الاميركيين من اخطار الميول الانعزالية والطروحات
الانهزامية "في زمن التحديات المعقدة"، وطالب حركة
المقاومة الاسلامية "حماس" التي فازت في انتخابات
المجلس التشريعي الفلسطيني بالاعتراف باسرائيل ونبذ
الارهاب. وابرز ضرورة رفض العالم السماح لايران
بتطوير اسلحة نووية واقتنائها. ووصف هذا البلد بأنه
"رهينة في يد نخبة دينية عزلت شعبها وقمعته، وترعى
الارهاب في فلسطين ولبنان".
وفي اشارة لافتة، دعا اميركا الى التخلي عن ادمانها
النفط المستورد من الشرق الاوسط المضطرب، وعلى خفض
استيراد النفط من تلك المنطقة بنسبة 75 في المئة بحلول
سنة 2025.
الحرية
ومع ان بوش رأى ان حال الاتحاد قوية وستزداد قوة وان
الطريقة الوحيدة لحماية الاميركيين وحفظ السلام
والسيطرة على المصير هي ممارسة القيادة الاميركية في
العالم، فانه اعترف بأثر التغييرات الهيكلية في
الاقتصاد العالمي المتمثلة في بروز اقتصادات قوية
منافسة لأميركا في دول مثل الصين والهند، وحض
الاميركيين على الاستثمار في العلوم والرياضيات للرد
على هذه التحديات، تماما كما فعل غيره من الرؤساء مثل
دوايت ايزنهاور وجون ف. كينيدي في مواجهة تحديات علمية
واستراتيجية مثلها في السابق الاتحاد السوفياتي.
وكرر تمسكه بهدفه التاريخي البعيد المدى الذي أعلنه في
العام الماضي وهو "انهاء الطغيان في العالم". وشدد على
أن "كل خطوة في اتجاه الحرية في العالم تجعل بلادنا
أكثر أمانا". واشار في هذا السياق الى تصويت المرأة في
"افغانستان، وملايين العراقيين الذين شاركوا في
الانتخابات، وكيف ان "النساء والرجال من لبنان الى مصر
يناقشون حقوق الفرد وضرورة الحرية". وبعدما لاحظ ان
اكثر من نصف سكان العالم يعيشون في دول ديموقراطية،
أضاف: "ونحن لا ننسى النصف الاخر في اماكن مثل سوريا
وبورما وزيمبابوي وكوريا الشمالية وايران".
ولاحظ ان "الاسلام المتطرف" هو من مصادر الرد الرجعي
على مسيرة الحرية، واتهم أقلية بتحريف الدين الاسلامي
النبيل الى ايديولوجية ارهاب وموت، من اجل السعي الى
فرض نظام شمولي في الشرق الاوسط واقتناء اسلحة الدمار
الشامل.
وعلى غير عادته في خطبه في السنوات الاخيرة، ذكر
الرئيس الاميركي بن لادن مرتين في خطابه. وقال ان
التخلي عن الالتزامات والانغلاق ليسا هما الحل، وان
ترك الارهابيين وشأنهم يعني استباحتهم العالم، وخلص
الى ان "لا سلام في التقهقر".
العراق
وتحدث بثقة عن الوضع في العراق، وتحديدا عن قيام حكومة
تضم جميع القوى من أجل تخطي الاحقاد الماضية وتهميش
اعمال التمرد وكذلك جهود الاعمال ومكافحة الفساد. وقال
ان العراق انتقل في السنوات الثلاث من الديكتاتورية
الى الحرية، ثم الى السيادة ووضع الدستور، وانتهاء
بالانتخابات الوطنية. وأعرب عن ثقته بخطته لتحقيق
الانتصار، وثقته بارادة الشعب العراقي، وروح القوات
الاميركية ومهاراتها. وكرر موقفه المعروف، وهو أنه مع
تحسن أداء القوات العراقية وتوسعها، سنخفض عديد القوات
الاميركية في العراق. لكنه استدرك بأن هذا الامر
سيقرره القادة العسكريون "وليس سياسيون في واشنطن".
وانتقد ضمنا بعض الطروحات "الانهزامية" في الكونغرس،
قائلا ان هناك فرقا بين "النقد المسؤول" و"الانهزامية"
التي ترفض الاعتراف بأي شيء غير الفشل. وكرر ايضا ان
الانسحاب فورا من العراق "يعني التخلي عن حلفائنا
العراقيين للموت والسجن. وسيعطي رجالا مثل بن لادن
والزرقاوي مجالا للسيطرة على دولة استراتيجية".
الانتخابات
وفي اشارة ضمنية الى مكاسب التيارات الدينية في
الانتخابات التي جرت في المنطقة، قال ان الانتخابات
حيوية لكنها الخطوة الاولى في السير نحو الديموقراطية،
مثل احترام سلطة القانون واحترام الاقليات وغيرها.
واستشهد بالانتخابات الرئاسية المصرية التي كان فيها
اكثر من مرشح للمرة الاولى، وقال: "شعب مصر العظيم
صوّت في انتخابات متعددة الحزب، والان على حكومتهم ان
تفتح السبل لمعارضة سلمية تخفف جاذبية التطرف ... لقد
صوت الشعب الفلسطيني في الانتخابات، والان يجب على
قادة حماس ان يعترفوا باسرائيل وينزعوا اسلحتهم
ويرفضوا الارهاب ويعملوا من اجل السلام الدائم". وذكر
ان السعودية اتخذت "الخطوات الاولى في اتجاه الاصلاح،
والان يمكنها ان توفر لشعبها مستقبلا افضل من خلال دفع
هذه الاصلاحات".
ايران
وانتقل الى ايران فقال انها "رهينة في يد عدد صغير من
نخبة دينية تعزل شعبها وتقمعه. ان النظام في تلك
الدولة يرعى الارهاب في الاراضي الفلسطينية وفي لبنان،
وهذه النشاطات يجب ان تنتهي". واضاف ان "الحكومة
الايرانية تتحدى العالم بطموحاتها النووية، وعلى دول
العالم الا تسمح للنظام الايراني بالحصول على اسلحة
نووية". وتعهد مواصلة السعي لتعبئة الدعم في العالم
لمواجهة هذه الاخطار.
وهنا خاطب بوش الشعب الايراني مباشرة قائلا: "اميركا
تحترمكم، ونحن نحترم بلادكم، ونحترم حقكم في اختيار
مستقبلكم والحصول على حريتكم، وبلادنا تأمل في ان تصير
في يوم من الايام من اقرب الاصدقاء لايران الحرة
والديموقراطية".
القضايا الداخلية
وطالب الكونغرس بتمديد العمل ببعض مواد "قانون
الوطنية" الذي يعطي السلطات الفيديرالية صلاحيات اوسع
لرصد الاتصالات والتحركات المشبوهة لاميركيين. وفي هذا
السياق جدد الدفاع عن نفسه وعن حكومته لقراره رصد
مكالمات الاميركيين مع افراد يشتبه في انتمائهم الى
تنظيم "القاعدة".
وقال ان البلاد تواجه مشكلة خطيرة تتمثل في حقيقة ان
"اميركا مدمنة النفط، ومعظمه مستورد من مناطق غير
مستقرة في العالم"، في اشارة الى الشرق الاوسط. وعدد
مصادر الطاقة البديلة من الفحم الحجري الى الطاقة
الشمسية والنووية، واضاف ان الاختراقات التقنية في هذا
المجال تساعد على استبدال مستوردات اميركا من نفط
الشرق الاوسط بنسبة 75 في المئة بحلول سنة 2025.
واعتبر ان المهارات والمواهب الاميركية ستدفع الاقتصاد
الى ما بعد مرحلة النفط و"ستجعل اعتمادنا على نفط
الشرق الاوسط شيئاً من الماضي".
وعكس خطابه العام الماضي الذي تميز بمبادراته الطموحة،
من تغيير نظام الضمان الاجتماعي جذرياً (خطة احبطها
الديموقراطيون) مروراً بالحديث عن الوصول الى المريخ،
وانتهاءً بالادعاء انه حصل على رأس مال سياسي تمثل في
اعادة انتخابه لولاية ثانية وسيستخدمه لتحقيق برامجه،
تميّز الخطاب الخامس لبوش عن "حال الاتحاد" هذه المرة
بأنه كان اكثر تواضعاً واقل طموحاً، وحتى وفاقياً في
مواقفه من الديموقراطيين. هذا التواضع فرضه انحسار
الدعم الشعبي له وضعفه السياسي، بعد اسوأ سنة له في
البيت الابيض منذ انتخابه، ومع ازدياد مشاعر القلق في
البلاد نتيجة ارتفاع الكلفة البشرية والمادية للحرب في
العراق، واحتمال وصول العجز المالي لهذه السنة الى
اكثر من 400 مليار دولار، والارتفاع المستمر في اسعار
الطاقة، والخوف على الوظائف الاميركية من تحديات
الاسواق المنافسة، وبعد الاداء الضعيف والمحرج للسلطات
الفيديرالية في التعامل مع اعصار "كاترينا" ومضاعفاته
الاقتصادية والاجتماعية. ويتبين من سبعة استطلاعات
للرأي اجريت اخيراً في البلاد، ان شعبية بوش بعدما
تراجعت الى ما دون 40 في المئة قبل اشهر، باتت الآن 42
في المئة المئة، وهي ادنى نسبة تأييد يحظى بها رئيس
اميركي في السنة الاولى من ولايته الثانية، منذ ولاية
الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون.
وسيقوم بوش خلال الايام القريبة بجولة على عدد من
المدن الاميركية لاستثمار اي زخم سياسية يوجده خطابه.
وامس، كرر الرئيس الاميركي وهو في طريقه الى مدينة
ناشفيل بولاية تينيسي، انه "كي يتسنى للولايات المتحدة
دعم حكومة تديرها حماس، فانه يتعين على الحركة ان تغير
برنامجها السياسي، وان تغير اسلوب تفكيرها، وان تفكك
جناحها المسلح، وان تغير ايضاً موقفها من اسرائيل".
رد الديموقراطيين
واختار الديموقراطيون حاكم ولاية فيرجينيا تيموثي كاين
للرد على بوش، فركز انتقاداته على اخفاق الرئيس في
معالجة مشكلة العجز المتفاقمة والبطء في عملية اعادة
بناء مدينة نيوأورليانز وغيرها من المدن التي دمرها
اعصار "كاترينا".
وعن العراق كرر اتهام ادارة الرئيس باعطاء الاميركيين
الاسباب الخاطئة للغزو، وعدم تزويد الجنود معدات جيدة،
وقال: "على الحكومة الفيديرالية خدمة الشعب". ولفت الى
ان المهمة العسكرية في العراق "تتعرض للاحباط بسبب
الخيارات الفاشلة للحكومة وسوء ادارتها". |